
السلطة تجذب الفاسدين
13 يوليو, 2020 03:04 مساءًلطالما شكلت السلطة نقطة جذب للفاسدين وإختبار قاسي للمخلصين الذين يخضعون عند دخولها لإنحرافات قوية تحت قوة إمتيازاتها وضعف النفس البشرية بطبيعتها، ويقول بعض الفلاسفة، يمكنك تجنب فساد السلطة، فقط عندما لا تعتاد على السلطة والإمتيازات التي تأتي معها، وتستخدم قوتك فقط لصالح الآخرين، ولكن مع الأسف إن هؤلاء الأشخاص المخلصين هم نادراً ما يتواجدون في هذا العالم ، وكذلك نادراً ما يحققون السلطة أو الثروة لأنهم لا يستطيعون التنافس مع الأشخاص المتعطشين للسلطة والثروة. غلين ديفيد برين ، وهو كاتب أمريكي معروف يقول " لقد قيل إن السلطة تُفسد ، ولكن في الحقيقة الأكثر صحة هو أن نقول السلطة تجذب الفاسدين ، عادةً ما ينجذب العقلاء إلى أشياء أخرى غير القوة والسلطة ".
إن آليات الرقابة الليبرالية المؤسساتية لم تشكل نجاحات كبيرة في منع الفساد ، فالفاسدون أذكياء ويميلون للتكتل حفاظاً على مصالحهم. ولم تفلح الفضيلة المدنية التي ذكرها الدستور الأمريكي وعول عليها لمراقبة السلطة لنفسها ( إلزامها بالسيطرة على نفسها ) في حل مشكلة جذب السلطة للفاسدين ، وكذلك آليات الرقابة والمحاسبة على الفضيلة المدنية رغم أنها خففت لكنها لم تكبح الإزدياد المضطرب لمستويات الفساد تحت وطأة السياسات الليبرالية الجديدة في أيديولوجيا السوق الحرة التي تسود اليوم.
على الجانب الآخر فشلت الفضيلة المدنية الموجودة لدى الصحابة في صدر الإسلام من الإستمرار لما بعد الخلافة الراشدة تحت ديناميات وطبيعة الملك العضوض وترويضه المستمر للدين والفتوى لخدمة من في السلطة ، وبالتالي إنكفاء السلطات والمدارس الدينية مع مؤسسات السلطة للوصول لحالة توازن عاجزة عن إصلاح الفاسد أو تقويم المجتمع إلا بتوصيات نظرية تبتعد عن آليات عملية واضحة ، كما عجز الإقطاع والملكية والكنيسة ونماذج جديدة تماماً - كالديمقراطيات الليبرالية والديكتاتوريات الشيوعية والأنظمة الفاشية عن علاج الفساد ومنع الفاسدين من الإنجذاب للسلطة ربما لأنها طبيعة بشرية ولأن هذه الأنظمة البشرية أساسها فاسد , كذلك لم يستطع الإسلام أن يعالج الفساد وإنحراف السلطة بإتجاه الفساد بعد الخلافة الراشدة فأكتفى كُتاب وفلاسفة الإسلام في إقتراح مبادئ عامة دون ترجمتها إلى آليات ضبط ورقابة تلزم الجميع من أعلى هرم السلطة الى أسفلها فاكتفوا بإقتراحات ؛ كنزاهة المصلحين أو فكرة عدم إستعداد المجتمع , أو اتباع الحكمة , أو إشاعة الجو الصالح , أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول لا الفعل , أو شعارات وعظية كالبيان الواضح , أو إستثمار جميع الإمكانات و الوسائل , أو عدم إتباع سبيل المفسدين , أو القناعة التامة و الثابتة , أو تكاتف الجهود , أو الإهتمام بنشر الثقافة و العلم , أو الإستقامة ، كل ما سبق كرس العزلة بين الدين وضوابطه في السلطة وبين الإمتزاج بحياة الناس اليومية ومعاشها.
ربما العلاقة بين الفساد والسلطة غير المنضبطة علاقة صميمية يبدأ تكسيرها بخلق السلطة المنضبطة التي بدورها تكسر هذه الصميمية فتصبح السلطة تكليف ثقيل وليس ميزة فتكون الجائزة للسلطان العادل محبة الناس في الدنيا والتظلل بظل الله في الآخرة وليس الرفاهية والغنى والعلو في الدنيا ، بالتأكيد لم تعد الفضيلة المدنية في الدستور الفيدرالي الأمريكي ولا الفضيلة المدنية كعناوين مدعومة حصراً بآليات تنفيذ ورقابة عملية مسألة ترف سياسي فلسفي بل أصبحت على رأس الأولويات وهي ما يجب أن يكون شغلنا الشاغل كبشر عموماً وكعرب مسلمين خصوصاً في السنوات القليلة القادمة.
----
ت . ز




