
دلال المغربي منارة فلسطين الشامخة
12 مارس, 2022 04:30 مساءً
بقلم/ باسل جعرور
فتحت حقيبتها وأخرجت علم فلسطين، قبلته بخشوع ثم علقته على شباك الباص وهي تردد:
فلسطين يا أرض الجدود ... إليك لا بد أن نعودكمنارةٍ شامخةٍ بددت حُلكة الظلام، انطلقت ترشد البحر نحو شواطئ الوطن المفقود. فتاةٌ يافاويةٌ بألف رجل وهبت حياتها ثمناً زهيداً لتطأ رمال مدينتها بنعلٍ أطهر من كل المتخاذلين. متقدمةً على رأس مجموعتها ترسم عهداً جديداً من البطولة على درب انتزاع الحق الفلسطيني المغتصب. ملازمٌ برتبة رئيس لأول دولةٍ فلسطينيةٍ أُعلن قيامها على ظهر باص -في قلب "تل أبيب"- لترفع العلم الفلسطيني على شباكه تحدياً للمدفع، لا ترهبها زخات الرصاص ولا حشودات الجيش المهزوم. ولتنشد بصوتها الصادق الندي .. بلادي بلادي بلادي ... لك حبي وفؤادي.
دلال المغربي، تلك الحالة الاستثنائية من الثورية النسوية، التي فتحت آفاقاً جديدة أمام نضال المرأة الفلسطينية ومشاركتها الفاعلة في خوض مسيرة الكفاح المسلح والإنخراط في العمل العسكري، متقدمةً الخنادق والصفوف، ومسطرةً أروع البطولات وأكثرها شجاعةً في تاريخ الثورة. لتبرهن للعالم أجمع أن المرأة الفلسطينية قنبلة موقوتة من العنفوان الصارخ في سبيل الحق. تضيء بدماءها الزكية درب عودتها المستحقة، وتبدد وهن الجسد والعتاد بالتسلح بقوة الإرادة والإيمان بحقها المشروع، لتصبح قادرةً على فعل المستحيل.
بخطة محكمة وضعها الشهيد القائد خليل الوزير، انطلقت فتاة المخيم على متن زورق مطاطي تقود مجموعتها بحثاً عن ترجمةٍ تجسد مقولة الشهيد القائد كمال عدوان: "لفلسطين طريقٌ واحدٌ .. يمر عبر فوهة البندقية" واقعاً ملموساً، فوجدتها في النزول في قلب دولة الاحتلال واحتجاز 68 رهينةً إسرائيلية وسط صدمة العدو، صائغةً معادلة جديدة في كتاب الصراع مع الاحتلال، حبرها دمها ورفاقها الإحدى عشر، وثلاثون فرداً سقطوا من جيش الاحتلال ومعهم ثمانون إصابةً أخرى، ليطوي التاريخ قصة بطولة استمرت سويعات معدودة، إلا أن عمرها الدهر، محفورةٌ على الصخر وباقيةٌ ما بقي الزمان.
إن الصورة الأسطورية التي جسدتها بطولة الفدائية دلال المغربي في مسيرها من الحرية إلى الحرية هي تعبيرٌ شاملٌ عن الأمل الفلسطيني والشجاعة المفرطة في مجابهة الاحتلال، واليوم وبعد 44 عاماً على ارتقاءها شهيدةً برصاصة حقدٍ وغِل، واحتجاز رفاتها الطاهرة في مقابر الأرقام، نؤكد على أن هذا النموذج الثوري الاسطوري يستحق الاحتفاء والتخليد من كل أحرار العالم، أسوةً بالمناضلين الأمميين الذين خُلدت بطولاتهم في لوحات البطولة والشرف، وأن هذه القضية الطاهرة التي دفعت في سبيلها دلال ورفاقها دماؤهم النفيسة فداءً ونصرةً تستحق من كل ذي مروءةٍ وقفةً جادة تدفع في سبيل إعادة الحق المسلوب لأصحابه الشرعيين.




