كتب عدلي صادق: يوم التضامن ومفارقات شاسعة

29 نوفمبر, 2021 07:22 صباحاً
الكاتب عدلي صادق
الكاتب عدلي صادق

بقلم: عدلي صادق
 في يوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني؛ يؤدي مفوهو السياسة، من الفصائل والحركات الفلسطينية، وظائفهم اللفظية، فيعيدون ما قالوه في سنوات التخبط والإنقسام، دون أن يكون لهم على مستوى السلوك السياسي، ما يُبرهن على صدقية هذا الإجترار!
 في الوقت نفسه، يمثل تاريخ 29 نوفمبر مفارقات شاسعة، احتلت تاريخ القضية الفلسطينية، منذ أن عُرضت على المنظمة الأممية، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنة واحدة. 
  جاءت المفارقة الأولى، بعد أن أوصت "لجنة التحقيق الأنجلو ـ أمريكية" في إبريل 1946 بإحالة مشكلة فلسطين، التي يفترض أنها نزاع محلي بين شعب بلد يقع تحت وصاية الإنتداب البريطاني، وأقلية هاجرت اليه وحملت السلاح ثم تضخمت بتواطؤ حكومة هذا الإنتداب. أيامها كان الشعب الفلسطيني، ينتظر الإعلان عن استقلاله مثلما حدث مع سائر المستعمرات. لكن الطرفين، البريطاني والأمريكي، اللذين تحسم فيهما الصهيونيتان البريطانية والأمريكية، سياسيات الشرق الأوسط؛ خرجا بقرار رفع النزاع الى مستوى القضية الدولية. وكان ذلك أول الخوازيق، لا سيما وأنها بدأت من خلال التحضير لفكرة التقسيم، بهدف الإستفادة منها سياسياً، والإتكاء عليها لمرحلة، والتظاهر بتأييدها دون التفكير بتنفيذها. فالهدف الحصري منها، هو إحراز وتكريس المشروعية الدولية لإسرائيل، دون أن تتخلى الصهيونية عن مخطط الإحتلال الكامل!
  ويجدر التنويه الى أن السطحيين أو الساسة الذين يريدون اختزال القضية الفلسطينية مع التسطيح المتعمد لحيثياتها، يكررون القول بأن الفلسطينيين أضاعوا الكثير من الفرص، وأن قضيتهم هي قضية الفرص الضائعة. وهذا كلام تختلط فيه السذاجة مع سوء النوايا. فلم يكن لنا أية فرصة، ولم نكن في الأمم المتحدة يوم صدور قرار التقسيم، ولم يكن العرب والمسلمون الذين رفضوا يضيّعون فرصة، لأن الفرصة أصلاً لم تكن موجودة، وهذا ما يمكن الإطلاع عليه، من خلال الوثائق ومداولات قادة الصهيونية وفحوى التآمر البريطاني والأمريكي. 
  وكانت المفارقة الثانية، عندما ألقى ممثلو الدول العربية والإسلامية بكل ثقلهم لإسقاط مشروع قرار التقسيم الذي أيدته ثلاثة وثلاثون دولة من الدول الـ 57 الأعضاء في ذلك الوقت، وعارضته ثلاثة عشر دولة عربية وإسلامية، مع اليونان وكوبا والهند، واعترضت عليه ثلاث عشرة دولة، وامتنعت عشر دول من بينها بريطانيا التي آثرت التريث وكتم نواياها.
   وتتشكل المفارقة من كون تاريخ إعتماد القرار، أصبح يوماً للتضامن، على اعتبار أن هذا القرار يعترف بحق الشعب الفلسطيني في دولة على مساحة 11 ألف كيلومتر مربع من أرضه، الى جانب دولة صهيونية على مساحة 15 ألف كيلومتر. وهنا ينشأ سبب الوجاهة في رفض قرار التقسيم، وهو أن يكون للطارئين حصة من الأرض، بسبعة وخمسين في المئة وسبعة أعشار، ولأصحاب الأرض الفلسطينيين 42% وثلاثة أعشار!
  الذين رفضوا التقسيم، لم يخطر في ذهنهم أن الصهيونية هي رأس الحربة للمنحى الإمبريالي الإستعلائي في العالم. فطموحات رأس الحربة كانت وما تزال بين النيل والفرات، لولا أن الثعلب قصير الذيل، ويكتفي بالنفوذ والتطبيع. ثم إن إسرائيل الناشئة لم تتردد في احتقار الأمم المتحدة نفسها، التي أعلنت عن ولايتها القانونية والسياسية على القدس وبيت لحم ومحيطيهما. فقد احتلت المنطقين، وعلى العالم تبليط البحر!
  وتأخذ المفارقة مداها، كسُخريات الأقدار، عندما يصبح مجرد الكلام عن حدود التقسيم، نوعاً من الألفاظ المحرمة، التي تضاهي إنكار حق إسرائيل في الوجود، أو معاداة السامية وإنكار قيم التسامح والسلام. بل إن بريطانيا نفسها، التي هندست مشروع التقسيم واعتبرته ذورة النجاح في سعيها الإمبريالي لتكريس إسرائيل؛ أنكرت على الشعب الفلسطيني حقه في الدولة، ولو باعتراف نظري، لكنها في الوقت نفسه، تستمر في التحايل وتمضغ مقولة "حل الدولتين" دونما سلوكٌ يبرهن على أي صدقية!
  تتواصل المفارقات، حتى الوصول الى خريف العام 1977 عندما صدر قرار الجمعية العامة في دورتها الثانية والثلاثين، بالطلب من الأمين العام الإستجابة لتوصيات اللجنة اللجنة الأممية المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف، وهي لجنة تشكلت في الدورة 31. فبموجب تلك التوصيات؛ أنشئت داخل الأمانة العامة للأمم المتحدة، وحدة خاصة معنية بحقوق الفلسطينيين، تتولى إعداد دراسات ومنشورات تتعلق بحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف، والقيام بالتشاور مع اللجنة صاحبة التوصيات. وبموجب تلك التوصيات التي أقرت في العام 1977 إعتمدت الأمم المتحدة،  تنظيم احتفال سنوي بيوم 29 نوفمبر، بدءاً من العام 1978 باعتباره في كل سنة، اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني. 
  وفي مفارقة جانبية، تدعو الى التندر، أننا جميعاً قد انتعشنا بقرار الأمم المتحدة تخصيص تظاهرة دولية  سنوية مساندة للحقوق الفلسطينية. ربما لم نخطيء في ذلك، طالما أننا أمام عدو يحمل مشروع اللا شيء لنا، ولا يكبحه كابح. 
 واللافت أن الطرف نفسه، الذي أدار اللعبة منذ العام 1947 هو الذي اخترع لنا أوسلو. ثم إن أمريكا والنرويج وروسيا والأمم المتحدة، كانوا من مؤيدي التقسيم، وما زالوا حاضرين ويؤيدون نظرياً الإستقلال في الضفة، شرط استمرار الفلسطينيين في مهاجمة الفلسطينيين، حفاظاً على " روح السلام" بكل مفارقاته العجيبة، وسعياً الى إخماد كل ضَوْء أو صوت، لا يلائم الإحتلال، فالمرتجى هو تأمين مسرح العمليات لقطعان المستوطنين، لكي يظل هؤلاء الأوغاد، ساميين ومتألمين من محرقة أو من أفران غاز، وكأننا نحن أصحاب المحارق والأفران، ولسنا ضحاياها بأفاعيل ضحاياها الأوائل !

اقرأ المزيد