
عدلي صادق لبرنامج همزة وصل: القمع في الضفة
28 نوفمبر, 2021 09:47 صباحاً
كتب عدلي صادق:
يصح أن نستهل الكلام عن حملة القمع الجارية في الضفة، ضد منتسبي حماس وفصائل أخرى؛ بالتذكير أن ردود الأفعال لدى المُستهدفين بهذا القمع المنذور لصالح الإحتلال؛ تخلت عن قوالب الكلام الذي اعتادوا عليها، لا سيما في السنوات الأولى بعد الإنقلاب على النظام الفلسطيني في غزة. فلكثرة ما استُخدمت كلمة خيانة وخائنين، وتعبيرات تتهم الناس بالجملة، بما يسمى "التساوق" مع الإحتلال؛ أصبحت هذه القوالب الهجائية التائهة، ممجوجة وبلا تأثير. ولما حان وقت استخدامها في السياق الصحيح؛ كانت قد فقدت معانيها وغدت مثل اي كلام جزافي ومُرسل. فقد حذرنا مبكراً، من منطق التخوين بالجملة، وكان من بين ما قلناه، إن هذه اللغة تشوش الرؤية الوطنية وتتيح للجواسيس، أن يتحركوا في بيئة تلائمهم. ومن المفارقات، أن حركة حماس، وبعد أن وقعت الفأس في رأسها في الضفة؛ خففت لغتها ولجأت الى صيغة أخرى، لعلها تجذب الإنتباه، فقالت إن الحملة الأمنية عليها "لا تخدم إلا الإحتلال" وكأن الجماعة إكتشفت المخبوء. وبهذه الصيغة خرجت الجمل ومفردات التخوين القديمة من التداول بتمام فرضياتها الشائنة!
اليوم، يجري اللعب على المكشوف. فمن يمسكون بالزمام، هم أولئك الذين يريد عباس أن يخلفوه في الحكم، ووجهة هؤلاء مُعلنة ولا يخفونها، وها هم يكثفون حملاتهم الأمنية التي تجاوزت مربع العمل على منع الهجمات على المحتلين، لتصبح معنية بمنع استقبال الأهالي وأصدقاء الأسرى المُفرج عنهم، بما يريدونه من رايات وشعارات في يوم إطلاقهم، ومنع ظهور أي ملمح لرأي معارض. ففي إسرائيل المخدومة بالحملات الفلسطينية على الفلسطينيين، يُتاح لأصحاب المشروع العنصري الهمجي أن يقولوا ما يشاؤون. بينما الأجدر السماح للمعارضون المتمسكين بأي شعارات لا تخرج عن منطق الحق الفلسطيني ومدركاته، بأن يقولوا ما يشاؤون، وهذا في السياسة، وفي أي بلد، يعزز الموقف السياسي لمن يحكمون، ويظهرهم معتدلين أو شركاء ـ حسب التعبير الدارج ـ وبالتالي يجعلهم جديرين بالتعاطي السياسي الإسرائيلي معهم!
رايات وشعارات معارضي الحكم جُلّها من الحركة التي كان عباس يتوسل شراكتها معه في قائمة إنتخابية واحدة، لكي يضمن نتائج تساعد على المحاصصة والإلتفاف على الإرادة الشعبية!
ما يحدث في الضفة، ويظنه عباس فائض قوة، هو في الحقيقة فائض ضعف، ويفتح الباب واسعاً لانتقادات حادة من الجماعات والنشطاء السياسيين ومنظمات حقوق الإنسان. ولا يستوي أن يعلن العنصر السياسي في السلطة، رفضه تصنيف حماس كحركة إرهابية، بينما العنصر الأمني يمارس القمع الذي يُطابق التصنيف البريطاني مثلاً، وأن تجري هذه الممارسة تحت عنوان الإستقرار والقضاء على الفوضى وظاهرة انتشار السلاح و"العصابات". فالفوضى والتعديات اليومية وظاهرة السلاح المتفشي، هي كلها المستوطنين الطارئين على الأرض وعلى المجتمع. فهؤلاء هم الأجدر بالقمع أو بكبح الجماح، وليس أصحاب الأرض وأهل البلد. إن المنهجية التي اختارها العنصر الأمني، غبية بامتياز، فضلاً عن كونها ذيلية ومعطوفة على احتلال لا يكتفي بارتكاب الجرائم، وإنما ينكر على ضحاياه وعلى من يخدمونه الحق في ممارسة السياسة، والتحدث حتى عن مفاوضات ولو كانت عبثية!
يتعين على حماس، من جانبها، أن تتأمل المشهد وتستفيد، لكي تخلع بقناعة، من وضعية الإستقواء والتغول الإجتماعي والإقتصادي، الذي أوصل غزة الى الكارثة، وأن تدرك ـ ولو متأخرة ـ أن الكلام النوراني والعبارات الإيمانية ومتلازمات المقاومة والقدس والزلازل، لم تعد تحجب الرؤية. فهي بخاجة الآن الة وقفة موضوعية مع الذات!
من العار أن ينعت العنصر الأمني، من السلطة في الضفة، الرافضين للمنهجية الأمنية، بأنهم يمثلون ظاهرة عصابية. فلو كان المعارضون عصابات، لاستهدفوا الأشخاص الذين يستهدفونهم وذهبوا الى نزاع أهلي مفتوح. فما هو أمامنا، أن الحركات والفصائل المعارضة، تتلقى الضربات الموجعة، دون أن تعلو ردود أفعالها عن سقف الإستنكار والتمني بأن تتخلى السلطة عن القمع. وفي جريمة قتل نزار بنات، وتبعاً لحجم ردود أفعالها المحلية والدولية، كان أجدر برأس السلطة الإعلان بنفسه عن استنكاره لهذه الممارسة وشرح أبعادها الإجتماعية السياسية الضارة. لكن الرجل ما زال يظن أن الإستقواء على أطياف في المجتمع، هو برهان عنفوانه الموهوم، والجرافة التي تمهد الطريق له، لكي يصل الى محض طاولة مفاوضات. فالرجل لا يريد أن يقتنع بأن الفصائل المعارضة أو معارضة الفصائل، لم تنشأ ترفاً أو عن ميل عصابي، وإنما نشأت واستمرت وسوف تستمر، عن قناعة بأن هذا الإحتلال لن يرعوي ولن يتراجع عن خطط التصفية والإجهاز على قضية عادلة وتكريس احتلاله. ولا شأن لإيران أو غيرها بأية ردود أفعال على الجرائم الإحتلالية. فالقمع وحده هو الذي له شأن تدميري، وقد استعر شأنه بعد لقاءات عباس مع العناصر العسكرية والأمنية الإسرائيلية. ولعل ما يدعو الى السخرية ـ بالمناسبة ـ هو استمرار الطرف الذي يقمع، في استخدام عبارات السجال، كلما دعا داعٍ، الى توحيد حركة فتح، وإنهاء الإنقسام، والذهاب الى الإنتخابات.




