كتب عدلي صادق.. أبُ الأسئلة وأمها

06 نوفمبر, 2021 07:18 صباحاً

كتب عدلي صادق

بعد أن لجأوا الى الإستدانة، هُم وأسرهم، لكي يدفعوا كلفة الوصول الى تركيا المكتظة باللاجئين؛ كان أولئك الفلسطينيين الذين انقلبت بهم المَركِب على ظهرها؛ قد اجتازوا المرحلتين الأولى والثانية في طريق الهجرة اللنجاة من الفاقة والعذاب. وقد أسهمت ثلاثة أطراف، فلسطينية وعربية وإسلامية، في رفع كلفة المرحلتين وحدهما. وبعد الوصول الى استنبول، يُفترض أن يبدأ تدبير دراهم المعيشة لأيام قليلة، لكي لا تنفد قبل الوصول الى الشاطيء اليوناني، في مركب لتجار البشر، الذين لا يوفرون لمراكبهم البدائية أدنى مقومات السلامة والإعاشة، ولا يحافظون حتى على اعتدال أوزانها من حمولات الآدميين. وعلى ذلك الخط، سيكون المقصد، بعد الوصول إلى الشاطيء الآخر، واجتياز عائق خفر السواحل اليوناينة؛ هو واحدٌ من المعسكرات اليونانية المغلقة، التي تتعرض الآن لانتقادات المنظمات الدولية لحقوق الإنسان، إذ تعتبرها أشبه بالسجون الرديئة. والمُرتجى، كما سمعوا في تركيا؛ هو أن يُنقلوا الى جزيرة ساموس شرقي اليونان،، الذي تقول السلطات اليونانية إنه يحظى بظروف معيشية أفضل من أربع معسكرات أخرى في البلاد. فمعسكرات ليروس، وليسبوس، وكوس، وخيوس، محاشر محاطة بالأسلاك الشائكة، ذات برودة مُضنية في الشتاء، وبلا تدفئة، وكثيرٌ من مهاجعها خيام. وعلى الرغم من ذلك، تُشكر اليونان على أريحيتها، قياساً على كل دول الإنسداد. 

  غير أن المركِب الأخير، الذي حُمَّل به الفلسطينيون؛ إنقلب على ظهره، فاندلق منه البشر من الخشب الى الماء، في مشهد يندى له جبين البشرية، وقبل أن يندى هذا الجبين الكوني، يكون المتسببون في هذه الرحلة التراجيدية، قد شبعوا ـ بالطبع ـ  خزياً وعاراً، وهؤلاء ـ بالمناسبة ـ متضامنون في هذه الوجهة، على الرغم من اختلاف مقاصدهم وسياساتهم!

  ما نعلمه حتى كتابة هذه السطور، أن الضحايا ثلاثة شُبان، وقد سُمع صوت أحد الناجين، يصف بهلع وتقجّع، ما جرى لرفاقه. صاحب الصوت، بدا متأثراً بصوت البحر وأمواجه. استبدت به مخاطر اليَمّ.  إن الجثة التي يبتلعها الموج، ستكون طعاماً للأسماك. هكذا قال. فبكلماته التي أفلتت عبر أثير يشق صخب اللحظة؛ ارتسم الفصل الختامى من حياة الذين قضوا، وهو فصلٌ أشدُ إيلاماً وأعتى، من الفصول التي تبقت أمام الناجين!

  إحداثيات تلك الرحلة، التي سبقتها مئات الرحلات، عبر  البحر والغابات ومقاطع ضيقة من الأنهار؛ تحددت وفق كلام يتناثر، عن أفق يمكن فتحه بالتدريج، وما الأمر إلا صبر سنة أو أكثر قليلاً؛ وسيحصل اللاجيء قسراً على تصريح الإقامة اليونانية، فيتأسس له الحق في وثيقة سفر، صادرة عن بلد من الإتحاد الأوروبي. عندئذٍ سينتقل إلى الشمال الغربي الأروربي. وهناك ستبدأ مرحلة أخرى، من الفاقة والإنتظار أو العمل بلا ترخيص، أو أية وسيلة تبقيه هناك. لعل ترفه الوحيد، أو نصيبه من البهجة، إن نجح في الوصول الى وجهته الأخيرة، هو أن يرى وجوهاً أخرى وأن يبتعد عن سحنات حارسي الزمن الرديء، وأن يخضع لقوانين مختلفة أو لمحض قوانين، وأن يشعر بأنه إنسان ذو قيمة، لا يُترك كصحيح جائع ولا كمريض فقير يتوسل الطبابة، ولا يرى مترفين على حساب خبزه، ولا متنمرين كالمرضى النفسيين، على حساب كرامته. 

  فلماذا يُسلّم الفلسطيني من غزة، نفسه للبحر؟ الجواب تعرفه العجائز الثكلى والأطفال الأيتام، بينما المنقوعون في العار، لا يستحون، وإن أوشك واحدٌ منهم على الشعور بقليل من الحياء، يجد من يخلع عليه أوصاف وهالات الفخامة، أو يتخيل الزبيبة على جبهته لكثرة السجود!

  عندما يُترك مليونا إنسان، يُعاقبون على كل فعل يفعله المترفون ضد بعضهم بعضاً؛ كيف سيعيش هؤلاء المتروكون؟ وماذا سيصبح ذلك الذي يسمونه النسيج الإجتماعي؟ وإلى أي منحى ستذهب لغة وثقافة الذين تدبروا لقمة خبزهم، وقد سمعنا مفردات لم نكن نعرفها، مثل التسحيج والتجنح وموعد النثرية، ومفردات القطع بكل أنواعه، للراتب والصلة والأرحام؟!

  من هم المتسببون؟ إن هذا هو أب الأسئلة وأمها، يتفرع عنه استفهاماً إنكارياً:من ذا الذي يتخيل، أن المتسببين سيأتون بأي شيء ذي قيمة، حتى لو عاش الواحد منهم ألف سنة؟!

اقرأ المزيد