كتب عدلي صادق: موازنة إسرائيل وما في جوارها

04 نوفمبر, 2021 07:53 صباحاً
الكاتب عدلي صادق
الكاتب عدلي صادق

بقلم: عدلي صادق
  بعد ثلاث سنوات ونصف السنة، أقر "كنيست" إسرائيل موازنة الدولة بفارق صوتين. وعلى الرُغم من هذا العُثار الطويل؛ يجدر بنا أن نحسد دولة الإحتلال على هذه الممارسة الديموقراطية فيما بين أطيافها، وهي تنسحب على المال، مثلما تنسحب على الرأي وعلى المؤسسات!
   حيال مثل هذه الوقائع، نعود إلى رثاء أحوالنا، ونتذكر البلاء الرميم المُقيم بين ظهرانينا. فما لدينا، يدعو الى الخزي حتى في تفصيلاته الصغيرة،  إذ يحدث  أن تنكشف مجرد سقطة واحدة لوزير مالية السلطة مثلاً، تنم عن دناءة ذات دلالات خطيرة، كأن يخصص الوزير لنفسه بدل إيجار سكن وهو يقيم في منزله، ثم تمضي الأمور وكأن شيئاً لم يحدث، دون أن تتزحزح سلطاتُه، ويقول بكل أريحية إنه سوف يُعيد المبالغ التي حصل عليها تحت بند السكن. إن مثل هذه السقطة وحدها، كفيلة في إسرائيل بإحالة أكبر رأس، الى السجن. فإسحق رابين، قتيل المشروع الصهيوني، مات وفي قلبه غصة، عندما كشف صحفي من هآرتس في فبراير 1977 أن عقيلته تدير حساباً مصرفياً بمبلغ صغير، في الولايات المتحدة وكان ذلك مخالفاً للقانون الإسرائيلي. لقد كانت تلك الواقعة من أهم أسباب صعود الليكود للمرة الأولى الى الحكم بعد انتخابات مايو 1977، وبدء انهيار حزب العمل،  إذ تحمل رئيس أركان الجيش في حرب 1967 المسؤولية عن ذلك التجاوز، ما أدى إلى إجراء انتخابات داخلية جديدة، وترشيح شمعون بيرس لرئاسة الوزراء، وبالنتيجة، خسر تجمع "المعراخ" آنذاك الانتخابات وصعد الليكود ومناحيم بيغن. 
  استمرت إسرائيل بلا موازنة مقررة، منذ مارس 2018. لكن مسائل ضبط الإنفاق ظلت تحت رقابة مؤسسات الدولة. وعندما تم الإعلان عن نتيجة التصويت، عانق أعضاء الإئتلاف الحاكم بعضهم بعضاً بفرح غامر. هنا تتجلى هيبة الدولة العنصرية التي يشوبها العوار والظلامية السياسية والفكرية، والتي تعتدي لتكريس مظلومية شعب آخر، بينما سلطات الشعب المظلوم، صاحب أعدل وأشرف قضية على المسرح الدولي؛ لا تقيم وزناً لقانون ولا لوثيقة دستورية ولا لمؤسسات، وهي أحوج ما تكون الى هذه العناصر، التي تُعد شرط الحياة السياسية الطبيعية فما بالنا بالحياة السياسية لشعب صاحب حق يسعى الى نيل جزء منه!
  أعضاء "كنيست" إسرائيل، صادقوا أيضاً على قانون ما يسمى الترتيبات الإقتصادية، لدفع شراكتهم التجارية مع العالم الى الأمام. فلديهم في السفارات، 43 ملحقية تجارية، إن لم تنتج أيٌ منها كلفة إرسالها مع ربحها، يجري سحبها. بينما شريحة رعاع الحكم الفلسطيني، يضخون الى السفارات أبناءهم وبناتهم،  بأكلاف عالية وبلا شغل. 
  يبدأ تطبيق الموازنة، مع انتقال رئاسة الوزراء إلى يائير لبيد، وتراجع نفتالي بينيت الى الخلف، حسب اتفاق الإئتلاف الحاكم. والطريف أن أعضاء من المعارضة، وعلى رأسهم زعيمها نتنياهو، ضغطوا بالخطأ على زرار الموافقة، وكذلك أرييه درعي زعيم حزب "شاس" الديني. وفشل نتنياهو في إسقاط الحكومة من خلال إسقاط مشروع الموازنة، على الرغم من محاولاته إقناع أعضاء من الإئتلاف، بعدم التصويت إيجاباً. وكانت "القائمة المشتركة" العربية، قد امتنعت عن التصويت لمعارضتها التعديلات التي أدخلها الليكود والأحزاب اليمينية، وسجلت بذلك موقفاً دون أن يتاح لنتنياهو أن ينجح في مسعاه.
  هذا الأخير، نتنياهو، ما يزال ينتظر المحاكمة في اتهامات تتعلق بالذمة وخيانة الأمانة. وهنا نكون بصدد عدو، يضبط كل شيء يخصه، بينما شريحة رعاع الحكم الفلسطيني لا يفكرون في ضبط شيء يخصنا، بل يتعمدون إفساد أي شيء تبقى مضبوطاً، ولا يتزحزحون عن عفونتهم حتى ولو استمر التردي عشرات السنين. لذا تظل دولة الإحتلال جامحة وتتقدم من عدوان الى عدوان، بينما نحن ـ للأسف ـ نتحول من خيبة الى أخرى، بجريرة شريحة متعددة الألوان، فاسدة وشرهة، بلا ثقافة وبلا إحساس بالمسؤولية، تبيع قوالب الكلام المستهلك، الذي تنطقه ولا تحس به!

اقرأ المزيد