عدلي صادق لبرنامج همزة وصل .. التغول الأمني في الضفة

14 اكتوبر, 2021 05:09 صباحاً

عدلي صادق

  يؤكد مراسلو الصحف الأجنبية المعتمدون في الضفة الفلسطينية، على أن أجهزة عباس الأمنية، تواصل حملتها القمعية ضد النشطاء السياسيين ومنتسبي الفصائل المعارضة والمواطنين من اصحاب الحق الإدلاء بآرائهم. وحذرت معظم جمعيات المجتمع المدني، من تقويض الأمن والسلم ى في الضفة. واستفزت الحملة الرعناء، منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وصدرت بيانات الإستهجان والإدانة. بل إن منتسبي فتح ومنظمة التحرير، أصبحوا وكأن على رؤوسهم الطير، يكابدون مرحلة لم يمر مثلها على المجتمع الفلسطيني طوال تاريخه!
حماس من جهتها تقول، إن الحملة الأمنية، هي إحدى ثمار التواطؤ الأمني مع إسرائيل،  لأن "العديد من الذين اعتقلوا خلال الأسابيع القليلة الماضية هم معتقلون سابقون احتجزتهم قوات الإحتلال،  ثم أطلقتهم، فأعادت أجهزة أمن عباس اعتقالهم بعدئذٍ". وهذا بحد ذاته دلالة إضافية على أن ما يسمى "التنسيق الأمني" ما يزال قوياً كما كان دائمًا"!

وبدل أن تخفف السلطة قبضة البطش بعد حرب مايو على غزة، وبعد مقتل الناشط نزار بات؛ تغولت هذه القبضة، وظهر بمنطق السلوك، أن قتل نزار كان أمراً مطلوباً.  فقد جرى إعتقال أحد أبناء عمومة المغدور بنات، لكونه شاهداً على الجريمة، يتهيأ للإدلاء بشهادته أمام المحكمة المشكوك في صدقيتها. وأفرجت السلطة عن إبن العمومة حسن بنات، بعد ستة أيام من الإعتقال، بتأثير التنديد الواسع باعتقاله. أما المواطنون الذين شاركوا في التظاهرات الإحتجاجية بعد الجريمة، فقد جرى احتجاز واستجواب العشرات منهم في الشهر الماضي، وبلغ عدد هؤلاء اثنين وخمسين مواطناً.   
  إحدى اللجان المهتمة بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان من قبل السلطة الفلسطينية؛ ذكرت أن اثنين وستين مواطناً فلسطينياً تم استدعاؤهم للإستجواب، وقال المراسلون أن أمن عباس، إعتقل الناشط أمير اشتية، الذي كان يصطحب طفلِه الصغير في أحد شوارع نابلس، فتولى المواطنون المارة، إرجاع الطفل الى منزله، بمعنى أن الذين اعتقلوا الأب، تركوا الطفل البالغ من العمر سنتين، دون الإهتمام بتأمين عودته الى المنزل. وكان واضحاً أن المُستهدفين جميعاً ينتسبون لحركتي حماس والجهاد، ولحزب التحرير الإسلامي وللجبهة الشعبية، العضو في منظمة التحرير. 
  ورصدت منظمات حقوق الإنسان، العديد من الإستدعاءات لمواطنين، على خلفية تغريدات نشروها عبر وسائل التواصل. واتهم الذين جرى استدعاؤهم بإهانة "المقامات العليا". وكان لطلبة الجامعات نصيب من الحملة في مختلف المعاهد والكليات، وعُرف من بين هؤلاء نحو خمسين طالباً. 
  لجنة توثيق الإنتهاكات، اضافت بأن معظم الاعتقالات والاستجوابات جرت في محافظتي نابلس والخليل. وتداول ناشطو الإعلام الإجتماعي، شريط فيديو يظهر فيه عدد من رجال الشرطة الفلسطينية، وهم يضربون رجلا فلسطينيا في قرية "إذنا" غربي الخليل، ما أثار أهالي البلدة التي أنجبت الكثير من المقاومين الفتحاويين على مر زمن الإحتلال. 
  في هذه الأجواء، بدأت تنشأ ظاهرة عدم الإمتثال للإستدعاءات، باعتبارها ممارسة تعتدي على حق المواطنين الفلسطينيين في الأمان، وفي التعبير عن آرائهم، وفي اختيار انتماءاتهم.  وهذا أمر من شأنه مفاقمة أزمة السلطة والمس بالوئام الإجتماعي، لأن عدم الإنصياع للاستدعاءات، سيدفع السلطة الى مداهمة البيوت، وستكون هناك احتمالات صدام، تنتج عنها أوضاع  خطيرة على المستوى الإجتماعي. فالإتهامات التي توجهها السلطة لأصحاب الرأي والناشطين، تندرج في خانة الأعمال الشائنة، التي تلازم حياة الديكتاتوريات الفظة والمأزومة. فالمُستهدفون يتعرضون لاتهامات بخلق فتنة، والإنخراط في تجمعات "غير شرعية" والمس بـ"المقامات العليا" بينما حقيقة الأمر معكوسة في كل اتهام. فالفتنة هي من فعل من ينسقون مع الإحتلال، والتجمعات الشعبية تكفلها الوثيقة الدستورية، بينما فاقدو الشرعية هم الذين أطاحوا بالعقد الإجتماعي الذي تمثله تلك الوثيقة التي سُميت "النظام الأساسي". أما "المقامات العليا" التي يتحدثون عنها،  فهي ليست إلا مجموعة ذليلة لا شأن لها بعلو القامة والقيمة. فهذه تترك حفنة الحثالات من مؤيدي المستوطنين في منطقة الخليل ترتع، وتذهب الى الشعب لقمعه وحرمانه من حقوقه الديموقراطية!     
  جمعية "محامون من أجل العدالة" في رام الله، تقول إن "إرجاء محاكمة قتلة بنات، يُظهر أن القضاء في السلطة الفلسطينية ليس جادا، وهذا أمر يعرقل سير العدالة ويحاول حجب الحقيقة".   
  الناشطون السياسيون في الضفة، يؤكدون على أن المواطنين الفلسطينيين، بدأوا يتوافقون على رفض الإمتثال للاستدعاءات، وتدرك الأجهزة الأمنية معنى ذلك ودالاته، وربما يدرك مخاطر عباس أن الجموح الأمني، وهو الوجه الآخر للخنوع أمام الإحتلال؛ سوف يحعله في مواجهة مباشرة مع الناس. فليس للرجل، من المكانة الأدبية، ولا من المآثر، ما يساعده على إخضاع الناس، لا سيما وأن مقاصد المنهجية كلها، هي استرضاء الإحتلال الذي لا يلبي له شيئاً، لكنه يستمر في الحكم بالأكاذيب ويواصل التدمير.

اقرأ المزيد