كتب عدلي صادق.. في النسخة المعدلة من الخطاب

25 سبتمبر, 2021 06:50 صباحاً
عدلي صادق
عدلي صادق

كتب عدلي صادق

لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"

أثناء حضور كاتب هذه السطور، مأتما في الريف المصري، قبل ساعات؛ سَمع بنفسه اعتراض فريق من الشباب المتعلمين، على دمج صوت الميكرفون أثناء تجويد المقرىء، ببرنامج صوت آخر، يُسمع في صدى التلاوة، فيتهلل مستحسناً مخارج الألفاظ على لسان القاري الحافظ. وتلك من مستحدثات التجويد في مجالس العزاء. فما أن يختم القاريء كل آية، من قصار السور التي يحفظها الجميع، حتى تُسمع ـ عالية ـ تهليلات الإستحسان، مع خاتمتها: الله يفتح عليك يا مولانا"!

الشباب يقولون، إن المستمعين، لم يُفاجأوا بكلام الله. فهم يعرفونه، فلماذا التهلل إذاً؟ وبعض هؤلاء، رأى أن دمج صوت التلاوة، بصوت آخر مسجل، فيه مساس بهيبة القرآن أو بوجوب الإنصات له بوقار، فيه بدعة!

في كلام الدنيا والسياسة، ليس هناك جديد في خطاب رئيس السلطة الفلسطينية. ربما هناك بعض إعادة التوزيع للأفكار، وإدخال القليل من الجمل الجديدة. أما في الجوهر، فإن النص هو نفسه الذي سمع على مر عشر سنوات. ولا يختلف اثنان فلسطينيان، على أن كلام عباس، عندما يقرأ من نص مكتوب، يختلف تماماً عن كلامه عندما يرتجل، مثلما يختلف تماماً عندما يقرر. فالإستقلال الوطني الذي يتوخاه النص، يتطلب سلوكاً في الحكم مغايراً تماماً لما يقرره الرجل وينام ويقوم عليه. 

لكن النطق الأجدر بالإستنكار، هو ما صرح به جلعاد إردان، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، لا سيما إشارته الى نتيجة استطلاع فلسطيني، أفادت بأن 79% من الفلسطينيين يريدون من عباس أن يستقيل. فهذا المأفون إردان، أراد توظيف النتيجة في السياق المعاكس، وكأن الفلسطينيين الذين يرغبون في استقالة عباس، قد أعربوا عن هذا الرأي، ترضية لدولة الإحتلال الإجرامي، وليس لضعف وعوار سياساته الداخلية، التي أصبحت جزءاً من أساسياً من أسباب ترهل الكيان الوطني وإحباط الشعب. وفي إشارة سفير الدولة المارقة، ترتسم إحدى اللقطات المألوفة في لغة إسرائيل، عندما تكذب وتستغل الثغرات في الوضع الفلسطيني، وتتعمد الإسهام في محاصرة المسؤول الفلسطيني، وتعرية مواقف مت يعارضون أخطاءه!

حاول إردان، المطابقة بين ما قاله عباس، عن ضرورة جلاء الإحتلال، ومطالبته بمقاضاة بريطانيا بسبب جريمة وعد بلفور. ذلك علماً بأن كل وثائق التاريخ، تدل بشكل قاطع، على أن الأداء البريطاني الإستعماري، كان يخالف وعد بلفور نفسه، ويتجاوزه الى الأسوأ، ما يجعل تصريح بلفور الظالم، أقل سوءاً من تطيقاته البريطانية. 

وكان إردان، في الإعراب عن تطيره مما سمّاه "تهديد" عباس باللجوء الى محكمة العدل الدولية، يخادع مثلما يخادع قادته ويستخدمون بروباغندا تضخيم المخاطر الكاذبة، بينما إردان يعرف أن المحاكم الدولية، ليست ذات أحكام نافذة، وهي نفسها سواء كانت جنائية أو تحكيمية، لم ولن تبت في جوهر المظلومية الفلسطينية. ويعرف هو أيضاً، أن ما يسميه "التهديد" ليس إلا تنويعاً في النص، بانسبة لعباس، وتلويحاً بما ليس فيه جدوى. 

عباس، ضمن الفقرات المتكررة، كان محقاً في الإشارة الى أن سياسات المجتمع الدولي، فشلت في محاسبة إسرائيل. ولكون مثل هذه الفقرات قد تكررت مراراً؛ كان من واجب عباس، خلال سنوات التكرار، أن يثابر على تأسيس وضع فلسطيني، سياسي واقتصادي واجتماعي، يقاوم الأمر الواقع الذيي تفرضه إسرائيل. وهذا هو شرط إنهاض المجتمع الدولي، للإسهام في محاصرة سياساتها. فما جرى، عندما نأخذ ما حدث مؤخراً كمثال، أن حسين الشيخ أحد أهم عناصر المجموعة الصغيرة المتنفذة مع عباس، أعلن على الملأ وعلى مسمع العالم، عند محاولته تصفير مشكلة احتباس الأموال الفلسطينية؛ أن لا مشكلة مع إسرائيل وأن الأمور عادت الى سياقها الطبيعي. فما الذي يجعل المجتمع الدولي يصبر أو يتقبل انتهاكات إسرائيل، إن كان ممثلو الطرف المنتهكة حقوقه، يعلنون على الرضا، ويستمرون في التنسيق الأمني مع الإحتلال؟!

لولا أن جلعاد إردان نطق كُفراً، لما كنا استشعرنا الرغبة في التعقيب على خطاب عباس المكرر، الذي لم يكن له في كل مرة، ما بعده من الإصلاح والتصحيح.

أما المتهللون لمنطوق الخطاب، وهم يعرفون فحواه قبل أن يُسمع، وكأنهم فوجئوا بجمالياته؛ فهؤلاء من ندماء النغم، الذين يتغاضون عن كل الرزايا، ويكتفون بالسماع.

اقرأ المزيد