
كتب عدلي صادق: ''الخلط في المحاججات''
25 يونيو, 2021 10:02 صباحاً
فتح ميديا-غزة:
كتب المحلل السياسي عدلي صادق
لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"
الخلط في المحاججات
إتسمت بعض ردود الأفعال، على فعلة القتل العمد، التي أزهقت روح ناشط فلسطيني له أراؤه المعارضة؛ بنوع من الخلط المُخِل، ومَنَحت الفاعلين الفاسدين والمناطقيين، الذين يمارسون أفعال التدمير والإحباط، صفة تمثيل حركة فتح ومنظمة التحرير والشرعية، وكأن هؤلاء وهذه العناوين شيء واحد!
ربما يكون القصد هو محاولة التخفيف من فظاعة الجريمة المروعة، بأسلوبٍ أقل ما يُقال عنه، أنه عقيم ويحاول تبرير الممارسة القبيحة بأسبقيات مثلها، على الرغم من اختلاف الفاعلين واختلاف المسؤوليات. فالقتل في زنازين سلطة مُعترف بها دولياً، وذات مسؤولية شاملة، له تداعيات سلبية أكبر تسيء للنظام السياسي وتُضعفه أمام العالم، وتزعزع ثقة المجتمع به. ولننظر في الهتاف الأبرز، الذي سُمع في تظاهرة رام الله، واتسم هو الآخر بالخلط، عندما دعا المتظاهرون الى حل السلطة. فرحيل عباس بات حاجة ملحة، أما حل السلطة فمعناه المطالبة بعودة الإحتلال، بينما الأوجب هو أن يُعاد بناء النظام الفلسطيني على أسس قانونية ودستورية. ذلك لأن هذا النظام شيء، وعباس مع حلقته الضيقة شيء آخر يضرب النظام في جوهر وظيفته.
في هذا المناخ، يخطيء من يزج بحركة فتح في هذا اللغط، لأن الحركة لا تحكم، وإن كان الذين يحكمون يتكئون على إسمها وسوف يظلوا يتكئون طالما أنهم لا يمتلكون التفويض الشعبي. ففي الشرعية التاريخية لحركات التحرر، يمكن الحديث عن حزب طليعي تكون له مشروعية بشفاعة دوره النضالي. لكن الأمر يختلف تماماً في الشرعية الدستورية، التي تستند الى التفويض الشعبي عبر انتخابات حرة ونزيهة. فما بالنا عندما يكون الدور النضالي نفسه، قد انتهى لدى الممسكين بمقاليد السلطة، وانقلب عكساً، بحكم خيارات قيادة الحزب أو الحركة التي امتلكت مشروعيتها من خلال الكفاح المسلح في زمن مضى. لذا فإن الزج باسم حركة فتح، في جريرة أفعال المجموعة المعاونة لعباس، يظلم هذه الحركة. ويجدر التنويه هنا، أن الناس في ردود أفعالها لم تستهدف فتح الطليعية تاريخياً، وإنما الذين يستهدفونها من غير قصد، هم الذين يحاولون التبرير والتخفيف من فظاعة الجريمة، ويزجون بها ويجعلونها معطوفة على أشخاص ليسوا جزءاً من تاريخها الكفاحي، ولا سلوكهم من جنس سلوك آبائها المؤسسين وكوكبة الشهداء الميامين، ولا علاقة لأدوارهم بدورها، عندما كانت تنقل قضية شعب فلسطين، من مجرد مسألة بحجم خيمة لاجئين، شأنها شأن مئات القضايا في العالم؛ الى وضع آخر جعلها أهم قضية على المسرح الدولي!
في هذا السياق، كان التذكير بأحداث بأحداث يونيو 2007 في غزة، عندما انقضت حماس على السلطة، بلا منطق، لا سيما وأن الذين يتعمدون التذكير، هم الذين ثابروا على تشكيل قائمة انتخابية واحدة مع حماس. أو كأن ذلك الحدث الأليم، الذي أشبعه الفلسطينيون تأثيماً، يشبه انقضاض مجموعة تتحكم في مسار نظام سياسي وتزعم أنها صاحبته حصراً وصاحبة الشرعية، لكي تتخلص من رجل فرد، فتنتزعه من بين أسرته، ثم تقتله دون أن يكون المغدور ذا سلطة أو ذا فصيل!
حاول البعض أيضاً تفكيك المأزق، وتوزيع المسؤوليات عن الحدث الفاجع، لكي تصبح محطات التلفزة هي التي تُضخم الجريمة، وكأن الجريمة صغيرة وبلا إنعكاسات سياسية، أو كأنها من صنع الشاشات، وليست جريمة فجرت غضب شعب فلسطين في وطنه وشتاته. وأغلب الظن أن معظم أصحاب هذه اللغة، غير مقتنعين في قرارة أنفسهم بما يقولون، لكنهم يعتقدون أنهم يؤدون واجب الدفاع عن فتح، وهنا يقع الخلط المُخل. فما نحن بصدده، يتعلق بمصيبة يمثلها رجل واحد له معاونون، وهو لا يكتفي بالتنصل من التزاماته حيال الشعب وحسب، وإنما يتنصل من التزاماته حيال نفسه. فهو القائل كذباً ـ على سبيل المثال ـ أن خروج اثنين من الفلسطينيين للمطالبة برحيله، سيكون هو ثالثهم ويرحل. وها هو يعلم الآن، أن الأغلبية الساحقة من الفلسطينيين تريده أن يرحل، ويسمع هتافات الناس بأذنيه، دون أن يفعل شيئاً سوى اتهام المطالبين بالرحيل بالتحريض لخدمة أجندات أخرى!
حادثة التعذيب حتى الموت، ألقت ضوءاً جديداً على أوضاع النظام الفردي الذي يمسك به محمود عباس، التسعيني الذي تسكن أعماقه رزمة من الكيديات والهواجس ومشاعر البغضاء مع الذعر. وأخطر ما يفعله الرجل، بالمعيار التاريخي، أنه يُكرس حرمان الشعب الفلسطيني من حقه في نظام وطني يليق به، ويطلق العنان لكل النعرات والغرائز المناطقية واحتقار القانون والمؤسسات.




