
كتب عدلي صادق .. متوالية الإقصاء
22 يونيو, 2021 09:50 صباحاً
لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"
ليس أسهل على رئيس السلطة من الإقصاء الذي يتبعه سلب الحقوق، وأهمها مقومات الحياة التي تؤمنها الرواتب، واستعداء الكادر على الكادر. ففي دورة مجلسه "الثوري" الراهنة، يأخذ الرجل هذا المجلس، الى ممارسة "ثورية" جديدة وعجيبة. وأغرب ما في الأمر، أنه ظل يتحسس أوهام القوة والسيطرة ويختال بها، مصمماً على ألا يفتح لأبناء هذه الحركة، باباً للنقاش البنّاء، الذي يأخذه هو نفسه، ولو رضائياً الى تدبير عقلاني أو الى خطوة تُحسب له وتدل عى استفاقته من أوهامه.
كان الإقصاء، هو فلسفة العمل، حتى أصبح الإقصاء يَلدُ الإقصاء. فالمؤتمر الذي دعا اليه في العام 2016 وسمّاه عاماً وسابعاً؛ كان في جوهره أشبه بملحمة القلعة في مصر، إذ ركز فيه على إزاحة القدامى وتخييب آمالهم في خواتيم أعمارهم. وفي عملية الإقصاء تلك، أجرى عباس انتخابات للجنة المركزية بطريقة كاريكاتورية، لكي يصفع كل من يرغب في إزاحته من المخضرمين، صفعة مُرقّمة حسب مقدار بغضائه له، فأعطى الأكثر تعكيراً لصفو غروره، أرقاماً بحجم ما في نفسه من ضغينة، لكي يضمن إحباطهم وانزوائهم حتى الموت، لكي يظفروا من الغنيمة بالإياب، ويحفاظوا على رواتبهم التقاعدية. فكل شيء تبقى لهم، سيظل عُرضة للشطب بقلمه الأشْوَل، وبالتالي عليهم أن يلتزموا الصمت والإكتفاء بلعب الدومينو، بينما الأعمار لا تساعد على التصدي. وهكذا، كان ترتيب الأبعدين عن الوداد، في نتائج "انتخابات المركزية" بعد الأربعين، ثم حلَّ بعدهم جماعة الثلاثين، وهؤلاء ممن يكرههم ولا يخشاهم. أما الذين حلوا بعد ترتيب الخامس والعشرين، فهم الذين أراد أن يقول لهم:"أغربوا عن وجهي الآن، وبمقدوركم ألا تفقدوا الأمل".
الأصفياء الذين أخذهم معه الى "مركزية" العجز، يفتتحون الكلام بعبارة الموالاة: "تصديقاً لما تفضلت به يا سيادة الرئيس، فإن الإعصار الذي يقترب من شواطيء جنوب إندونيسيا، سوف يُكمل طريقه، بدليل أننا نلاحظ تطاير القبعات عن رؤوس الناس على الساحل". إن هؤلاء الحزانى، قبلوا الشرط الضامن لمنهجية العمل، وهو أن يكون العنصر البذي أو الضحل، الذي يكره فتح ولا ينتمي اليها، أهم عنده منهم جميعاً ومجتمعين!
راهنية الإقصاء الذي يلد الإقصاء، انتجت المشهد في الدورة الحالية للمجلس الثوري، وجعلت الحركة الرائدة في مهب الريح. ولم يعد يملك الفتحاويون سوى المزيد من الترحم على "الختيار" الباسل ياسر عرفات وعلى أيامه. ففي مؤتمرنا العام الخامس في أغسطس 1988 في تونس، كان المؤتمر سيد نفسه، وكان كادر الحركة يتحسب من الإشارات الدالة على أن قيادته، ابتعلت طُعم الخديعة ويمكن أن تتجه الى التسوية المضروبة، شبيهة اللقاحات المضروبة، بعدئذٍ، في سنة 2021. أضمر الكادر إسقاط جميع مرشحي الكبير الثائر ياسر عرفات في انتخابات المجلس الثوري و"المركزية" لكي تستقيم الأطر وتستقيم الحاشية. ونفذ المؤتمر ما أراد، وأسقط عباس نفسه من انتخابات المركزية، لكن الكبير، تصرف على قاعدة "لعل وعسى" أن ينجح مقاول التسوية في جلب شيء متوازن نسبياً، فأعاد عباس الى المركزية، بعد حادثة تعطل الحاسوب. ومن ذا الذي كان وقتها يفهم في الحاسوب، حين يُقال باللهجة المصرية إن "السيستم واقع"!
من يوم أن وقع "السيستم" تشكلت الخيوط الأولى من كفن صاحب الفضل، الذي أًخذه المحنك الى أوسلو. وفي لحظة التحدي، غلبت "الختيار" طبائعه، فعاد ثائراً مقاتلاً ومعلماً في الميدان، وظل على كبريائه حتى قضى!
اليوم، يسد الواهم المحنك كل المنافذ والآفاق، ويشطب كل الخيارات في الاستراتيجيا والتكتيك، وبعد مفارقته روح النضال الوطني، انتقل الى روح التنسيق الأمني والتخصص في مطاردة المناضلين والمعارضين ثم أعضاء القوائم الأخرى، ثم تطور أداؤه الى الأسوأ، فلجأ الى الإقصاء تلو الإقصاء، حتى أصبح الموالون لا يتركون للمعارضين، جملة واحدة يمكن أن يقولونها أو يزيدونها، في وصف زمنه ومرحلته وأدائه ونواياه!




