
التخابر والتجنح .. والعرس الوطني للإنتخابات
18 يناير, 2021 06:38 صباحاً
بقلم: المحامي زياد أبو زياد
كان إصدار الرئيس محمود عباس لمرسوم الانتخابات بمثابة إلقاء حجر كبير في بركة مياه راكدة. فما أن صدر المرسوم حتى هب الكثيرون وخاصة في وسائل التواصل الاجتماعي للحديث عن الانتخابات وإبداء الرأي أو طرح التساؤلات أو التقدم بالطلبات والإقتراحات. وكل هذه هي ظواهر ايجابية وحيوية ، إن دلت على شيء فإنها تدل على مقدار التلهف للانتخابات والضجر من حالة الركود التي كانت سائدة.
فنحن منذ حوالي خمسة عشر عاما ً نعيش بدون انتخابات وبدون تجديد لشرعية المؤسسات التي تدعي أنها تمثل شعبنا أو تنطق باسمه مستندة الى نتائج انتخابات 2006 ناسية ً أو متناسية ً أنه منذ 2006 حتى اليوم دخل في قوائم الناخبين مئات الآلاف من الناخبين الجدد الذين لم يكونوا قد بلغوا سن الانتخاب عام 2006 كما سقط من سجل الناخبين أيضا ً مئات الآلاف أو على الأقل عشرات الآلاف من الناخبين الذين توفاهم الله أو غادروا البلاد الى المنافي مما أحدث تغييرا ً كبيرا ً في توجهات الرأي العام لا تتفق بالضرورة مع ما كان قائما قبل خمسة عشر عاما. فالذين يدعون اليوم أنهم يتحدثون باسمنا استنادا ً لشرعية انتخابات 2006 يعرفون في قرارة أنفسهم أنهم لم يعودوا كذلك. ومن هنا تأتي أهمية إجراء الانتخابات وتجديد الولاية والشرعبة لمن يعمل أو يتحدث باسم الشعب.
ولقد استمعت أمس كما استمع غيري للمؤتمر الصحفي الذي عقده د. حنا ناصر رئيس لجنة الإنتخابات المركزية والذي كان واضحا ً الحماس والإصرار في لهجته ، والذي أجزم بأنه منذ سنين طويلة يترقب لحظة أن تتحول المطالبة بإجراء الانتخابات الى حقيقة ، وكان في كل مرة تتعثر لا يستسلم للشك بل يستمر بالعمل مع لجنة الانتخابات المركزية التي يقف على رأسها كخلية النحل لتحديث جداول الناخبين والوقوف أهبة الاستعداد لإجراء الانتخابات متى سنحت الفرصة لذلك.
وقبل أن أستطرد في هذا المقال أقول بأنني توقفت طويلا ً عند عبارة وردت في المؤتمر الصحفي للدكتور حنا ناصر ردا ً على أحد الأسئلة إذ قال بأن القانون لا يسمح للمحكوم عليهم بحكم قضائي أن يشاركوا في الانتخابات. وبالرغم من أنه تم المرور بهذه النقطة مر الكرام دون نقاش إلا أنني بقيت أفكر بها حتى اللحظة. فالمحكومين الذين منعهم قانون الانتخابات هم الفئة الذين صدرت بحقهم أحكام جنائية سواء بجرائم أو بجنح مخلة بالآداب والأخلاق العامة وأخشى أن يُساء استخدام هذه العبارة لتستخدم لأغراض سياسية.
وأذكر بهذا الصدد أن أحد قادة حركة حماس قال حين سئل ذات يوم عن المعتقلين لدى أجهزة حماس من أبناء فتح بأنه لا يوجد في غزة معتقلين سياسيين وأن جميع المعتقلين هم ممن ارتكبوا أعمال جزائية وصدرت بحقهم أحكام قضائية.
وقد صدرت نفس الأقوال من قياديين في فتح عن معتقلين من حماس أو من الفصائل الأخرى في سجون السلطة بالضفة . وهناك تهمة شاعت في السنوات الأخيرة اسمها " التخابر" وهي في غزة ضد من يتهم بالتواصل مع رام الله وفي رام الله ضد من يتواصل مع غزة !! وبالإضافة للتخابر هناك جريمة جديدة بالضفة وغزة اسمها " التجنح " وهي تهمة توجه لكل من يتهم بالإتصال مع الأخ محمد دحلان أو مع من هم على تواصل معه، فهل سيتم منع من صدرت بحقهم أحكام " بالتخابر" أو "التجنح" مثلا ً من خوض الانتخابات؟ ثم إن هناك أشخاصا صدرت بحقهم أحكام دون أن تتوفر لهم فرصة الدفاع عن أنفسهم كما يقتضي القانون أو عن محاكم غير مختصة . فهل سيحرم هؤلاء أيضا من حقهم في الترشح ؟ وهناك قبل وبعد هؤلاء الخلاف الذي حصل داخل حركة فتح وأقصد الأخ محمد دحلان وبعض من معه وقد صدرت بحق معظمهم أحكام تشوبها شوائب تتعلق بتحقيق العدالة وتقع في شبهة كونها أحكاما سياسية أو مسيسة. فهل سيحرم هؤلاء أيضا من حقهم في الترشح أو الانتخاب ؟
ورغم كل ذلك فإنني أقول بأن الدخول الى الإنتخابات يجب أن يكون من بوابة المصالحة ليس فقط بين فتح وحماس وإنما أيضا ً بين فتح وفتح ، وبدون أي تردد فإن مرسوم الانتخابات الذي أصدره الرئيس يجب أن يكون بشير دعوة للتصافي والتسامح والتصالح وأن يُحظى بالترحيب من الجميع ، وأن علينا جميعا ً أن نترفع فوق خلافاتنا وأن نفهم بأن لا وقت للترف والفلسفة مهما كان سببها وأن علينا جميعا أن ندرك بأن لكل عملية ديناميكيتها الذاتية وأن العودة لممارسة الحياة الديمقراطبة مهما كان حجمها صغيرا ً أو لا يلبي كل طموحاتنا هي بداية عملية ستبدأ عجلتها تدور وعندها يكون علينا أن لا نجعلها تتوقف. فنحن بحاجة للخروج من مأزق الانقسام ومن جحر قتل الشرعية والرقص على أشلائها وأن نعود الى ممارسة الديمقراطية ولو بالحد الأدنى لأننا …




