حركة فتح على حافة الإنتحار التنظيمي وفقدان المد الجماهيري

08 ديسمبر, 2020 04:41 صباحاً

بقلم: نضال أبو شماله

جماهير وقواعد حركة فتح تستعد في هذه الأيام للإحتفال بميلاد الذكرى السادسة والخمسين لإنطلاقة حركتها في ظروف تمر عليها هي الأسوأ في تاريخها، ففتح التي غيّرت مجرى التاريخ ورسمت معالم الثورة الفلسطينية المعاصرة،وصوّبت بنادقها تجاه صدر عدوها المركزي (دويلة الكيان المحتل)،وهي التي ردّت الكرامة للإمة العربية بعد نكسة ال67، وحوّلت جنوب لبنان الى منطقة فتح لاند، وفرضت معادلة التعايش مع الملاجئ على مستوطني مستوطنات شمال فلسطين المحتلة بفعل صواريخ الكاتيوشا، وصمدت في حصار ال88 يوم في بيروت الغربية،  وقادت الجماهير  الفلسطينية خلال إنتفاضة الحجارة  نهاية عام 1987 ودشن أبطالها ومغاويرها اللبنات الأولى لأول كيان فلسطيني  فوق الأراضي الفلسطينية عام 1994.

فهي فتح  التي عَرف العالم القضية الفلسطينية من خلال كوفية ختيارها وقائدها أبو عمار الذي كان شديداً قوياً قاسياً في تعامله مع عدوه، ودوداً رحيماً  حنوناً في تعامله مع أبناء شعبه وجماهير حركته.
بعد رحيل الزعيم ياسر عرفات في نوفمبر 2004 بدأت في نفس العام معالم إنتكاسة حركة فتح تظهر مع أولى هزائمها في الإنتخابات المحلية في الضفة الغربية، وأخذت إنتكاسات الحركة تتدحرج مع تولّي الرئيس محمود عباس مقاليد السلطة فخسرت فتح إنتخابات المجلس التشريعي التي جرت بتاريخ 25/1/2006 أمام حركة حماس التي شكّلت الحكومة الفلسطينية العاشرة والتي كانت في حالة إشتباك متناقض مع سياسة الرئيس محمود عباس، ذلك الإشتباك المتناقض والمتنافر الذي حمل فأنجب في حزيران 2007 إنقسام وطني فلسطيني  ضيّع  الشعب والقضية معاً.

حاولت حركة فتح إستجماع قوتها فقررت عقد مؤتمرها العام السادس في  بيت لحم بتاريخ 4/8/2009، هذا المؤتمر الذي  شهد فوز القيادي محمد دحلان  بعضوية اللجنة المركزية، هذا الفوز لدحلان الذي كان يمثل إنتصاراً للقواعد الفتحاوية العريضة لحضور الرجل جماهيرياً.

شهد المؤتمر العام السادس أولى عمليات الإلتفاف على النظام  الداخلي  للحركة، إذ أنه وفي سابقة فاضحة وخارقة  للنظام الأساس تم إنتخاب الرئيس محمود عباس رئيساً لحركة فتح خلال وقائع الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر  في مخالفة واضحة للنظام الداخلي الذي ينُص على إنتخاب  رئيس الحركة من بين أعضاء الفائزين بعضوية اللجنة المركزية ال18 وبطريقة الإقتراع السري بحسب مواد النظام الداخلي.

منذ تلك القفزة تم تحريف النظام الداخلي، وعُطلت أبوابه ومواده، وتم حفظه في غياهب النسيان، ولازم ذلك تغيّيب للأُطر الحركية من أعلاها إلى أدناها، وتم إستبدال النظام الداخلي  بنظام حكم القائد الفرد على قاعدة ( ما أُريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

أمسك الرئيس محمود عباس  بزمام أضلاع المثلث الفلسطيني ( منظمة.سلطة.فتح) كُسر ضلع منظمة التحرير وفقدت هيبتها،وخُلعت أنياب حركة فتح في الضفة الغربية، فلم يعُد هناك حسين عبيات ورائد الكرمي حتى زكريا الزبيدي تم إعتقاله من قبل الإحتلال بفعل فاعل،ومع تغيّيب البندقية الفتحاوية تجرأت دولة الإحتلال واستباحت الضفة الغربية بعمليات الإستيطان المتسارعة، ومارس ويُمارس جيش الإحتلال عمليات المداهمة والإعتقالات اليومية دون لجم أو توقيف.

لم يتوقف الإنزلاق والتهاوي الفتحاوي عند حدود الضفة الغربية بل كانت غزة حاضرة في وسط دائرة الإستهداف،وكان لها نصيب الأسد من الإجراءات العقابية التي حصدت الأخضر واليابس، فلم يسلم منها موظف ولا مريض ولا طالب ولا تاجر ولا كل  من يتجرأ على قول عبارة "لا للظلم" إو يجهر برأي مخالف، وأما جيل التسعينات فحدث ولا حرج، وأصبحت سياسية الإستنعاج هي اللغة المسيطرة في التعامل مع غزة بما لها وما عليها، وأضحت سمة الولاء بالمساومة هي الدارجة.

إستطاع الرئيس محمود عباس الإستفراد بالقرار التنظيمي الفتحاوي ومارس هوايته في إقصاه خصومه التنظيميين وأبرزهم القيادي محمد دحلان وأنصاره، وحارب حرية الرأي والتعبير، وغيّب  المركزية الديمقراطية، وطمس معالم النقد والنقد الذاتي، كما ونجح أبو مازن في عملية الفصل ما بين الطليعة القيادية وقواعدها وعاش وعيّش الجميع تحت مظلة نظرية المؤامرة ورُهاب التجنُح، وأحدث شرخاً إنشطارياً في أوساط حركة فتح.

بعد كل ما تقدم وتغيّيب للنظام الداخلي فإفراز طبيعي أن يغيب العمل بقواعد المسلكية الثورية، فغاب الإلتزام التنظيمي، وضاع الإنضباط، وأُعدمت المركزية الديمقراطية، وشُنت الحرب على النقد والنقد الذاتي، وفُضحت السرية،و وئدت الفاعلية، وتلاشت المبادرة، وأُلغي التخطيط، وضاعت الرقابة،  ومات التقييم، وشُيعت المحكمة الحركية الى مثواها الأخير.

فَسَلامَاً على حركة الجماهير التي رسمت معالم الثورة  وأُعدمت على مقصلة  المؤامرة.

اقرأ المزيد