بيان الهلوسة "المركزية"

18 سبتمبر, 2020 09:42 صباحاً

بقلم: الكاتب عدلي صادق

في إحدى نوادر اختلاط المضحك مع المحزن؛ طالعنا البيان العبيط، الموقع باسم "مركزية فتح" والذي  يعكس نوعاً من تظهير الغرائز، ومن الرغبة في تجديد الإحتقانات، أو هو ـ إن أردنا التظارف ـ أشبه في السينما بحوار اسماعيل ياسين مع نفسه، أو حواره مع الشاويش عطية!

ثلاث إشارات، لم يلتقطها الغافلون المأزومون،  الذي صاغو  بيان الهلوسة، باسم "مركزية فتح" ونجزم أن غالبية هذه المركزية، لم تعرف شيئاً عنه إلا عبر وسائل الإعلام، وقد علمنا أن عدداً من أعضاء هذه "المركزية" اعتبره خروجاً عن الدائرة، والبعض الآخر رآه ضعيفاً ويركز على نقاط غير منطقية.  
  الإشارة الأولى،  أن سفير ترامب لدى نتنياهو، عندما رمي طُعماً مرتجلاً، ثم سحب الصنارة وأنكر الطعم، كان فتحاويو التيار الإصلاحي، هم الأسرع في استنكار وتفنيد وتسخيف ما قاله السفير، الذي تجاوز حدوده ووجه إهانة الى الشعب الفلسطيني، وحاول الإساءة للرجل الذي استخدم اسمه، وهدفه حرف الرأي العام الفلسطيني الى وجهة أخرى. أما الإشارة الثانية،  فهي أن أطفال فلسطين أصبحوا يدركون الآن، مدى خطورة العودة الى السجالات الداخلية، وأنه لم يعد لدى شعبنا، دقيقة واحدة من الوقت، يستهلكها في متابعة الترهات وفي الإجابة عن السؤال أيهما أسبق: "البيضة أم الدجاجة" على مستوى الخصومات والإنقسام واتهامات التخوين والشيطنة وغير ذلك من أعراض الجنون والبغضاء السفيهة. وكانت الإشارة الثالثة، أن تيار فتح الإصلاحي الذي يترأسه النائب محمد دحلان، بادر الى القول إننا سندافع عن رئاسة عباس، إن استهدفه المحتلون والأمريكيون، بمعنى أن سائر الفتحاويين، مستعدون للإسهام في تغطية عباس شعبياً، في حال استهدفه الأعداء الذين يحاولون التدخل في شؤوننا، وسلب شعبنا حقه في استعادة مؤسساته واختيار من يحكمونه!

بعد هذه الاشارات الثلاث، خرج ما يسمى البيان. ولأن كل البيانات في الدنيا تصدر لكي توضح، فإن بيانات خلية "المقاطعة" للطمس وليس للتوضيح، وغايتها التحايل لأخذ الناس بعيداً عن قضاياها الحقيقية. بل إنها تتذاكى في ردود أفعالها على التطبيع العربي، فترفع وتائر الإحتجاج هنا وتخفضها هناك، وفق مآرب مسبقة، من بينها التربح من السياسة ومرعاة المصالح الخاصة. ثم إن بيانات الدنيا كلها، حين تلتبس عليها فكرة أثناء الصياغة، تعود الى المراجع، وإن التبس عليها تشكيل نحوي أو إعراب، تعود الى القواميس. أما بيانات حلقة عباس الضيقة، فهي تتحدث عن اتهامات كبيرة، دون أن تنظر فيها المحاكم، وحتى دون أن تُصاغ عنها قرارات اتهام، لبُطلان ثرثراتها، علماً بأن المحاكم في الضفة طوع بنان الحاشية، وهذه الحاشية تمنع تنفيذ أحكام التقاضي التي تصدر إنصافاً للمسروقة حقوقهم ورواتبهم. والملاحظ أن كل شيء عند هذه الزمرة، عبارة عن ديماغوجيا. حتى الألفاظ المستعارة من لغة القانون، يجري استخدامها للديماغوجيا.
 هذه المنهجية، التي عفا عليها الزمن، باتت مفضوحة ولا يصغي لبياناتها أي فلسطيني سواء كان راشداً عاقلاً أو ساذجاً بسيطا. لكن ما يؤسف له ونراه جديراً بالتعقيب، هو هذا الإستهبال المتعمد الي يراد من خلاله الهرب من استحقاقات المرحلة الخطيرة التي نمر بها وهي مشحونة بمخاطر وجودية.

فلا زال الفاشلون الذين لم يتبق بحوزتهم شيء، يعتبرون دحلان كابوس عباس، أما حاشية عباس، فإن كابوسها المعطوف على دحلان، هو شبح المصالحة، ووحدة شقي الوطن الذي حددت التسوية مساحته ورسمت جغرافيته. فالحاشية (وليس أهلنا في الضفة) مستعدة لأن تهضم مئة ألف مستوطن يهودي في الضفة، ولا تهضم مئة مواطن من غزة، على الرغم من حبهم وحنينهم الى كل شبر من أرض بلادهم فلسطين. وهذه من جملة الأسباب الجوهرية لاستحالة إنهاء الإنقسام، ومن بين أقبح أسباب حرص الحاشية من المناطقيين، على تكريس التباعد المفتعل بين شقي الوطن. ولهذا السبب تحديداً، تستمر الثرثرات عن دحلان، دون التجرؤ حتى عن أخذ الإتهامات التي يزعمونها، الى المحاكم، ولو لتحسين موقفهم الأدبي في ناظر السُذج. فما يريدونه هو محض الإستمرار في الحديث عن اتهامات، ولو لخمسين سنة.

كان بمقدور حاشية عباس، صاحبة البيان العبيط، أن ترد على سفير ترامب وتقول له إن الشخص الذي تحدثت عنه ثم سحبت كلامك، يستنكر ما قلت ويعتبر تدخلك في الشأن الداخلي الفلسطيني فظاً وإستعلائياً ومحاولة فظة للنيل من حق شعبنا في اختيار من يحكمونه.

______________

م.ر

اقرأ المزيد