
لتفادي الإنهيار الكامل
27 اغسطس, 2020 04:17 مساءً
فتح ميديا - غزة
لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية
لا يختلف اثنان على أن موقف الطيف السياسي الفلسطيني، قد أصبح في حال غير مسبوقة من الضعف، ولم الفلسطينيون، في أية مرحلة، في مثل هذا الإحباط، ولا حتى صباح يوم 11 ديسمبر 1917 عندما ترجل الجنرال إدموند اللنبي عن خيله، لكي يتبختر في شوارع القدس!
اليوم، لم يتبق أمام القوى والعناوين المعروفة، من حركات وفصائل وأحزاب، سوى أن تفعل شيئاً واحداً، لتصحيح البوصلة والبرهنة على أن القضية الوطنية هي جوهر اهتمامها. وأغلب الظن، أنها لن تعل، علماً بأن هذا الاختبار الأخير للجدارة والأمانة يشمل الجميع، وفي طليعتهم رئيس السلطة وحركتا فتح وحماس، ثم تأتي بعدهم الفصائل التي وفرت التغطية للتردي، وأسهمت بشكل غير مباشر في هذا الهزال الفلسطيني المستشري، لكي يحصد الفلسطينيون هذا العجز عن مواجهة الطوفان.
التلهي بالشجب والإدانات واللطميات، والإنخراط في الخصومات الداخلية والخارجية وسجالات المحاور؛ كلها من علامات الإفلاس. لكن إعادة بناء الذراع السياسية الفلسطينية وأطر الحُكم الراشد، على أسس ديموقراطية منزهة عن شهوات السلطة وغرائز الممسكين فيها؛ من شأنها أن تجعل لكلمة فلسطين قيمة. أما استمرار الحال على ما هو عليه، انقساماً وتشرذماً وارتهاناً لسياسيات خارجية متعاكسة، فهو حجة على جميع الأطراف الفلسطينية، ولن يكون حجة لأي طرف منها، مهما زعم لنفسه من حُسن النوايا وسلامة المقاصد.
المحتلون يواصلون هجومهم السياسي في الملعب العربي، ويحققون مكاسب، أو يزعمون أنهم نحجوا في الإجتياح الكامل. ومع استمرار هذا الهجوم، يزداد الموقف الفلسطيني بؤساً وانحداراً، وفي خضم ذلك على الرغم منه، يطرح كل طرف نفسه صاحب البوصلة الصحيحة، والجدير بالتعبير عن طموحات الفلسطينيين، بينما هو وسواه، يخشون العودة الى الشعب الذي ينتحل صفة تمثيله والتعبير عنه. ويُلاحظ في هذا السياق، أن الإحتلال يفعل بسهولة، كل ما يساعد على استمرار هذه الحال، وهو على قناعة بأن كل الأطراف الفلسطينية على دراية، بأن إسرائيل هي الطرف الوحيد المستفيد من الإنقسام، لكن معظم القيادات، على طرفي الخصومة، معنية ببقاء الحال على ما هي عليه، لأنها تناسب مصالحها الفئوية والشخصية.
نحن ذاهبون الى الوضع الذي لن يستطيع فيه أي طرف فلسطيني، الإدعاء بأنه قد فعل شيئاً مفيداً، أو أنه أدى ما عليه وبالتالي ليس مسؤولاً عن الإنهيار. وبالطبع لن يصدق الشعب الفلسطيني أن أي طرف بريىء من التسبب في الإنهيار. فمن يتابع الهجوم على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني؛ يرى أن الإنقسام الذي مر عليه أكثر من ثلاثة عشر عاماً، يُستغل للإدعاء ببطلان القضية، وبعدم جدارة شعب القضية بنيل حقوقه، هذا إن لم يكن هذا الإستغلال يهدف أصلاً لإنكار هذه الحقوق. فما الذي تبقى، بعدئذٍ، أن يعلمه الممسكون بمقاليد الأمور الفلسطينية، لكي يسارعوا الى مربع آخر، وأن يكتفوا بما فعلوه، أو يقنعوا بما اعتصروه لأنفسهم، من مقدرات الشعب الفلسطيني.
نجد أنفسنا، اليوم، مضطرين الى توجيه النداء للطبقة السياسية نفسها، التي أوصلتنا الى هذه المآلات، على الرغم من صواب المقولة التي تؤكد على أن فاقد الشيء لا يعطيه. فليس أمامنا في هذه اللحظة، وحيث اتسع الفتق على الراتق؛ إلا التوجه الى هذه الطبقة بالنداء، لعلها تحاول أن تعطي وأن تستدرك، بعد أن فعلت كل شي لتسهيل التجاوز عن حقوقنا وثوابت قضيتنا، بل والتجاوز حتى عن صيغة التسوية ذات الحد الأدنى من الحقوق، التي طرحها العرب أنفسهم ورضينا بها.
اجتماعات عباس في رام الله، وجلوسه على رأس الطاولة، وتسويق اجتماعاته، بلسان رأس الهرم الحمساوي، بلغة تتمثل الجديّة والعزم؛ لن تنتج شيئاً مفيداً يُعيد الروح والحياة الى الذراع السياسية الفلسطينية. فكلما جرى الحديث عن اجتماعات تضم طرفي الخصومة، يلجأ الطرفان الى أسلوب العلاقات العامة وتطيير افتراضات غيجابية وبشائر كاذبة، وبعد أيام قليلة، يصبح كل طرف معنياً بإنكار أن هناك شيء جرى بحثه، وكأن فتح ملف المصالحة تهمة وجناية، على غرار ما أعلن عزام الأحمد قبل أيام.
الوقت ينفد بسرعة، والإنهيار جارٍ، فإن لم يذهب الطيف السياسي الفصائلي الى بناء ائتلاف وطني ديموقراطي مقاوم، يتجاوز رموز الخصومة وتجار الملفات وجلسات الحوار الخائبة؛ فإن السقوط سيكون أكبر من أن تستوعبه الهاوية!




