لنفترض أن هناك عمادي إماراتي

26 اغسطس, 2020 10:46 صباحاً
د. عدلي صادق
د. عدلي صادق

كتبه عدلي صادق

وصل الى غزة السفير محمد العمادي، رئيس اللجنة القطرية لإعمار غزة. وكالعادة، قوبل الرجل في غزة بالحفاوة ذاتها التي ظل يلقاها في كل مرة، على امتداد زياراته الى القطاع المحاصر. فمع مرور الوقت، أصبح وصول العمادي الى غزة، بالطريقة التي يصل بها، مبشراً وإغاثياً، ومقطوع الصلة بإلسؤال عن فوائد هذه الزيارات لإسرائيل، التي لا شيء مجانياً عندها!

  لسنا معنيين هنا، بدحض أو انتقاد فكرة الترحيب بالعمادي في غزة، لكننا مضطرون للتذكير، بأن لكل منظار عدستان متجاورتان، يرى الناظر من خلالهما شيئاً واحداً، لا ينشطر الى شيئين، بمعنى أن من تراه العدسة اليمنى محتشماً كامل اللباس، لا يكون عارياً من خلال العدسة اليسرى. ففي حال حدوث ذلك، نكون بصدد منظار مضروب، على مستوييْ السياسة والبصيرة! 

  أمس، كتبت "يديعوت أحرونوت" أن السفير العمادي أنهى لقاءاته الإسرائيلية، ونقل الإعلام القطري نفسه، عن قناة "ريشت كان" العبرية، بأن العمادي يلتقي في العادة كبار المسؤولين الإسرائيليين بينهم مئير بن شبات، رئيس مجلس الأمن القومي، ويوسي كوهين، رئيس الموساد، ومسؤولين آخرين من دوائر أمنية مختلفة. وجاء في السياق، ما يوحي بأن الزائر القطري يقوم بوساطة من الجنس نفسه الذي يقوم به الوفد الأمني المصري، وفي الوقت نفسه يحمل معه الأوراق النقدية التي سيتوجه بها الى غزة. ثم قيل في وقت لاحق إن الجانب الإسرائيلي استجاب جزئياً للوسيط القطري وقرر تخفيف الهجمات الجوية وقرر العودة الى ضخ الوقود القطري استجابة للعمادي أو تخوفاً من انتشار كوفيد 19 في غزة. 

  إن للعلاقات الإسرائيلية ـ القطرية اسرارها وعمقها وتأثيرها الساحر. ولا نقل ذلك تبريراً للتطبيع الإماراتي الإسرائيلي، وإنما بهدف التنويه الى قدرة الموفد القطرى على فك الأحجيات والعقد الفرعية سريعاً، بينما يُستعصى ذلك على مصر بحجمها وعلى ما تمثله علاقاتها من الأهمية الإستراتيجية لتل أبيب، مثلما يستعصي على ميلادينوف والموفدين الدوليين. فعلاقة الدوحة بتل أبيب قديمة، وقد مرّ عليها عشرات السنين، واستقرت على ثوابت وخلفيات غير معلنة. ولا حاجة للقول أن دعم المقاومة، ليس من بين هذه الخلفيات والثوابت، ولا التمكين لمشروع إسلامي في المنطقة، وليس من المتفق عليه، إيجاد حلول جذرية لمصاعب الحياة اليومية للناس في قطاع غزة. والفلسطينيون من جانبهم، لا يملكون ترف الإشتراط بأن تكون الخلفيات السياسية والأمنية لما يصل من الدعم، نبيلة ومنزهة عن المقاصد التطبيعية. لكن المنطق والعدل والنزاهة تقتضي كلها المساواة بين الداعمين، فلا يكون طرف صاحب أيدي بيضاء، وآخر شيطاناً ومتآمراً، لا سيما وأن التطبيع والعلاقات واللقاءات تتشابه كلها، بل إنها على مستوى العلاقات القطرية ـ الإسرائيلية أكثر عمقاً. ففي كل زيارة للعمادي، يتضح أن للدوحة دالة على إسرائيل، أكبر مما لعاصمتين عربيتين، في كل منهما سفارة إسرائيلية.

 الملاحظة هنا، ليست موجهة لحماس في غزة، لأن قيادة حماس في غزة، ليست هي صاحبة "الإنجاز" اللوجستي، وإنما هي المضطرة لتقبل أي دعم. فالفضاء الإخواني القطري التركي، هو صاحب "الإنجاز" الإغاثي الظاهري، الشبيه بوجبات الطعام للسجين، لكي يظل حياً ويتعذب. ولو كان لدى القائمين على هذا الفضاء، شيئاً من سلامة القياس، وتلازم العدستين في المنظار الواحد؛ لما اخترعوا الفارق بين تطبيع وتطبيع، بحيث تكون هناك علاقات حميدة ومباركة مع إسرائيل، وعلاقات شيطانية ومفضوحة وخطيرة. فلكل مشروع تطبيع، محركاته سواء في لعبة الأمم أو نزاعات الإقليم أو الأوهام الكثيرة التي ترى في إسرائيل سنداً.  

  لا نقول ذلك، تبريراً لأحد، أو تقبلاً لأي تطبيع، وإنما رفضاً لأن تهجم جماعة "الإخوان" بكل جحافل مواليها، على بلد آخر، هي على خلاف مع الدوحة، بسبب اقترابه من جنس العمل الذي تفعله الدوحة نفسها. فلا وصف لذلك سوى ما قاله أمس المؤرخ اليهودي آفي شلايم، الرافض للتطبيع المجاني مع إسرائيل، والداعي الى قيام دولة فلسطينية على حدود 1967. 

  لنا أن نتصور حجم هذا النفاق وحماقته، لو ظهر في الأفق، عمادي آخر، يكون هذه المرة إماراتياً، وإن كان أقل دراية ومهارة ودلالاً في تل أبيب، من أخيه القطري.

لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"

اقرأ المزيد