السياسة المالية للسلطة تعتمد على خلق الازمات وليس ادارتها

13 يونيو, 2020 12:45 مساءً

فتح ميديا - متابعة

 

كتب الباحث في الشئون الاقتصادية/ماجد أبودية

لقد حظي قرار القيادة الفلسطينية بالتحرر والانسحاب من كافة الاتفاقيات والتفاهمات مع الحكومتين الإسرائيلية والأمريكية بقبول وطني وتأييد شعبي كبير، لأنهم على ثقة بأن القيادة الفلسطينية تملك من الخيارات ما يعزز صمود الجبهة الداخلية ويعينها على التاقلم التدريجي مع مرحلة الانفصال الجديدة عن الاحتلال وهيمنته على كل مفاصل الحياة للفلسطينيين

الا ان المفاجأة من السلطة الفلسطينية جاءت سريعة، حين أعلنت يوم الأربعاء الماضي، إنها رفضت تسلم عائدات المقاصة عن شهر مايو/ أيار الماضي، من إسرائيل، تنفيذا لقرار القيادة الفلسطينية أنها في حل من الاتفاقيات والتفاهمات كافة مع حكومة إسرائيل.

تلاها مباشرة اعلان وزارة المالية عن عجز مالي في موازنتها  بحوالي 863 مليون شيكل

وقالت الوزارة في منشور على صفحتها على "فيس بوك" : "ايراداتنا لشهر 5 بلغت 237 مليون شيكل بينها 137 مليون شيكل ايرادات محلية، و100 مليون شيكل دعم خارجي فيما لم تتلقي أي شيكل من أموال المقاصة المحولة من الجانب الاسرائيلي."

والمقاصة، هي عائدات الضرائب الفلسطينية تجبيها الحكومة الإسرائيلية نيابة عن السلطة، على الواردات من إسرائيل والخارج، مقابل عمولة 3 بالمئة.

ويبلغ معدل أموال المقاصة نحو 700 مليون شيكل شهريا، تقتطع منها اسرائيل حوالي 200 مليون شيكل مقابل خدمات يحصل عليها الفلسطينيون، خصوصا الكهرباء والعلاج في مستشفيات اسرائيل.

وتشكل عائدات المقاصة حوالي 63 بالمئة من إجمالي الإيرادات العامة للسلطة.

واتخاذ السلطة قرار بعدم استلام اموال المقاصة، يعني ان وزارة المالية لن تكون قادرة على ادارة شئون السلطة الفلسطينية، وصرف رواتب موظفيها

خاصة أنها تواجه مخاطر أخرى بسبب جائحة كورونا تسببت في انخفاضا حادا في إيراداتها نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية ، بما في ذلك انخفاض في عائدات المقاصة نفسها نتيجة تراجع الاستيراد والاستهلاك على مدى الأشهر الثلاثة الماضية.

لكن المحير في الامر، كيف تقوم السلطة برفض استلام اموال فلسطينية ليس للاسرائيلي اي حق بها أو حتى بالانتفاع منها في حال بقائها في حسابات وزارة المالية الاسرائيلية، والسلطة لم تتبنى اي استراتيجية للتحرر من اتفاقية باريس التي تقيد الاقتصاد الفلسطيني، ومازالت منافذه الوحيده الى العالم الخارجي هي المعابر والموانئ الاسرائيلية.

كانت  السلطة محقة، في الغاء اتفاقية القرض التجميعي بقيمة 800مليون شيكل الذي تفاهمت عليه مع وزارة المالية الاسرائيلية بهدف الحفاظ على حد ادني لاموال المقاصة بقيمة 500 مليون شيكل، يمكنها من موائمة الصرف على كافة البنود التشغيلية ورواتب الموظفين، لكن المنطق كان يقول ان تستمر باستلام اية مبالغ من حقنا في اموال المقاصة، لتستمر بصرف رواتب موظفيها وادارة شئونها، حتى وان كانت بنسب أقل، لا ان تخاطر بالتوقف التام عن استلام هذه الاموال، في ظروف واوقات هي تعرف مدى هشاشة الحالة المادية للمجتمع الفلسطيني باسره الذي يعتمد على اهم مورد مغذي للحياة الاقتصادية وهو الرواتب، ولم يكن من المنطق ابدا ان يدار الصراع مع الجانب الاسرائيلي بمنطق خلق الازمات، الخاسر الاكبر فيها هو المواطن الفلسطيني والموظف البسيط الذي لا يمتلك أكثر من راتبه الشهري.

ونحن هنا لا نريد ان نتسائل عن أموال الدعم الخارجي التي حصلت عليها السلطة لمواجهة انتشار وباء فيروس كورونا، ولا حتى عن الاموال التي جمعها صندوق وقفة عز التي تجاوزت 60مليون شيكل، لتعويض المتضررين من جائحة كورونا، مما خفف من الاعباء عن الحكومة

وكنا مطمأنين للتفاهمات التي اجرتها وزارة المالية مع سلطة النقد بهدف الحصول على قرض بقيمة 400 مليون دولار من البنوك، لتمويل العجز المالي للسلطة بسبب تراجع ايراداتها المحلية وأموال المقاصة

لكن ان تفاجانا وزارة المالية في اللحظات الاولى بعجز مالي كبير، يعطل قدرة السلطة على دفع رواتب موظفيها، فهذا يستدعي مرجعات حقيقية، ليس على الصعيد المالي فحسب بل ايضا على الصعيد الوطني أيضا ...لنعرف أين نقف نحن بالضبط.

ان طبيعة صراعنا مع الاحتلال، تفرض علينا دائما تصليب جبهتنا الداخلية، وتعزيز صمود موظفينا وأسرهم، لا جعلهم عرضة للفقر والمرض والديون، وبالتالي اشغالهم عن قضاياهم الجوهرية الوطنية، و اضعافهم والحد من قدرتهم على اسناد خيارات التحدي الصعبة القادمة.

اقرأ المزيد