خَفِّف يا مولانا

10 مايو, 2020 03:24 صباحاً

من يعتقد أنني أتمنى للرئيس عباس شراً أو افتضاحاً، يكون مخطئاً. فلا أتمنى ذلك له أو لغيره، لأن قناعتي أن الرجل محض صاحب اجتهاد خاطيء وأن لديه نزعات كراهية واستحواذ وظلم وقلة وفاء تجاوزت كثيراً، وطالت كثيرين من كل الأطياف والمناطق.
كذلك موقفي من محمود الهباش. فلو تجردنا من كل حيثيات السنوات الخمس عشرة الماضية، نكون على وداد شخصي، لكن المشكلة أن الرجلين لا يطيقان النصيحة ويريانها نوعاً من التقصد والبغضاء.
قرأت أن الهباش في خطبة الجمعة الأخيرة، أو في مناسبة حديث، قال التالي: "رأيت الليلة الماضية في منامي، شخصاً شعره أبيض، ويلبس ثوباً أبيض، وكان يتجول في بستان مليء بالأشجار، وبشرني بأن أزمة كورونا لن تطول على فلسطين، وبعد أن ألححت عليه أن يريني وجهه، وإذا به أيوب فلسطين، فخامة الرئيس محمود عباس"!
احترت الآن، هل أناقش هذه الرواية ـ الحُلم من حيث شكلها أم مضمونها. فالقصة يتختلط فيها السمك باللبن بالتمر هندي على رأي إخوتنا المصريين: أن يختص رب العالمين، أخانا محمود الهباش بالبشرى، ولا يختص امرأة عابدة تقية، ثكلت أبناءها على طريق الحق والحرية، وتنام في ظلال بيتها المهدم. وأن يختص رب العزة، العادل الحكيم، فلسطين وحدها بالنجاة من الكورونا، ولا يُرفق الرفيق العزيز معها، مؤمنين آخرين، من أي الأمصار ولو من بورما. وأن يكون عباس شبيه أيوب، بينما الثاني سُلِب ما كان عنده من الخير باختلاف صنوفه، حيث كان ـ عليه السلام - غنيّاً بالأموال، والأنعام، والأراضي، وكان له بنون كُثُر، فما كان منه حين نزل به البلاء، إلّا أن احتسب أجره عند الله، وصبر على ما ابتلاه، وقد رافقه مرضه، وقُيدت يده زمناً طويلاً، ولم يبقَ معه في تلك المحنة إلّا زوجته التي راعته، واعتنت به، وكانت له خير رفيق إلى أن فرّجَ الله عنه كربه بعد أن توجّه إليه بالدعاء لكشف ما به من ضرّ. بينما عباس كان يتوسل النثرية الشهرية ولا يصرف مما عنده، فاستحال هو وأبناؤه من الأثرياء، ولم يُبتل بشيء شخصي، وإنما هو مصدر ابتلاء لألوف الأسر التي فقدت رزق أطفالها ومات من أربابها من مات، وظل من بقي حياً في ضنك مقيم.
في القصة ـ الحُلم، تحتشد بعض رمزيات الطُهر والزُهد: الثوب الأبيض، والأشجار الخضراء الباسقة والبساتين. لكن اللغز الوحيد في القصة المفهومة، يكمن في امتناع ذي الثوب الأبيض عن الكشف عن هويته للأخ المبُشَر بأسرار المقادير، فاضطر للإلحاح، لكي لا يجد ذو الثوب الأبيض مناصاً من التعريف عن نفسه، بمزيج من أيوب المُبتلى والقاعد على الحصيرة، وفخامة الرئيس القاعد مستريحاً فوق خرائب السلطة!
في تقديري إن المسألة ليست موضوعاً للإضحاك والسخرية، وإنما هي إحدى الدلالات الرمزية على حال سياسية راهنة، تؤشر الى بعض حقائق ينبغي أن تأخذها الشريحة السياسياة في الحسبان: الأولى، أن محمود الهباش، بات يعلم أن فخامته لم يعد قادراً على التمييز، وأنه فقد ما لديه من ثقافة، وبالتالي فإن المتداح سيُطربه، وسينتعش بكلام المُبشر بزوال الطاعون. وأتذكر أنا شخصياً أنني رويت لفخافة الرئيس شيئاً من سيرة القاضي الأول في فلسطين، الصحابي الجليل الزاهد وعدو الفساد، عُبادة بن الصامت، التي جمعته الحياة على أرض بلادنا مع عمرو بن العاص. فقد سمع مرة واحداً ينافق عمرو في وجوده. وكان لعُبادة قصة مع عمرو، عندما احتج على بذخه وإسرافه. في التو واللحظة، اكتبش عبادة من الأرض حفنة رمل، وهجم على المداح، وملأ فمه بقبضة الرمل، فاحتج عمرو، ما دعا عُبادة من فوره، الى الرد الغليظ على عمرو قائلاً له:" إنك لم تكن معنا حين بايعنا رسول الله بالعقبة على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا ومكسلنا، وألا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم بالحق حيث كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. يومها، قال رسول الله عليه السلام: إذا رأيتم المداحين، فاحشوا في أفواههم التراب"!
الطريف، أن المصلين والشريحة السياسية تكره الهباش، لكنهم ملتزمين تكتيكهم ويصبرون عليه حتى يقضي الله أمراً كان مفعلولاً. فهم على قناعة أن الهباش لم ير حلماً كهذا ولا ما يحزنون، وإنما القصة فقرة من سياحة مدائحية هباشية للسيد الرئيس، تلقى استحسان فخامته دون تفكير في مدلولاتها المنعكسة سلباً عليه. فلو تبقى عند الرجل، مقدار ذرة من حُسن التدبير، لقال لشيخة الأثير: خفف يا مولانا!

اقرأ المزيد