
قراءات في مولوج الأحرار
15 ابريل, 2020 05:03 صباحاً
لقد طغى شداد ابن عاد بعتوه، بعد أن امتد ملكه لكل بقاع الأرض، فأنكر على الله خلقه، وحاول أن يبني له مدينة تحت الأرض وفوقها، ليحاكي بها موصفات الجنة بديلاً متحدياً، فكانت مدينة (إِرَمَ) المدينة العظيمة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، والتي أهلك الله بها شداد ابن عاد هو وقومه، وقد اختفت مدينته،واختفى ذكرها عن الأمم قورن وقرون؛بعد أن أرسل الله لهم نبيه هود ليدعوهم إلى عبادة الله، فقال:" يا قومي اعبدو الله مالكم من إلهٌ غيره إن أنتم إلا مفترون". صدقت يا ذى الجلال والإكرام، فما أكثر من افتروا في هذه الحقبة، وفي هذه الأيام، وإن كان شداد ابن عاد قد أتته صرخة من السماء؛ فإن هذه الصرخة الفيروسية في زمانِنَا هذا هي صرخةٌ جديدة لكل من يفترون على فلسطين الوطن والقضية، فإن كانت الجائحة الفيروسية قد كسرت شوكة ومهابة من رسمو لأنفسهم فضاءً وهمياً ظنوا أنه طريقاً معبداً ليفتروا ويتجرأوا به على الوطن والإنسان بدءً من ترامب إلى أصغر مدير مكتب في أي تنظيم شعبي؛ فإنهم وإن سرقتهم السكين، وأغواهم بريق الهيمنة، فلن يهملهم الله وإن أمهلهم من صرخة السماء، فإن الله يمهل ولا يهمل، وإنا نخاف على كل من يفتري من أبناء جلدتنا عذاب يومٍ عظيم. فالمراحل القادمة بحاجة لمن يعين البشر في مآسيهم الإنسانية، وبحاجة لمن يتحسس حاجات المحتاجين؛ فلا يَخْبِرُ هموم فئة من فئات المجتمع سوى من عاش آلامها؛ فلن يدرك هموم الأسيرات سوى أسيرة عاشت معاناة الأسر؛ لتمثلهن، وتدافع عن حقوقهن، وهذا المنطق ينسحب على مستوياتٍ عدة سواء كان في أروقة التشريع المعطل، أو في أروقة القرار الذي اختزل في الدوائر الأصغر من المصغرة، فلن يدرك حاجات المعاق؛ إلا من عانى من الإعاقة، وآلامها، وأذاها الاجتماعي، أو وصمتها، فكيف لسوي يحقره؛ أن ينصفه إذا ما قرر نيابةً عنه، وكيف يمكن لقائد؛ أن يقود من أهلكهم بإهماله لهم، أو التهى عنهم بترفه، وتركهم يغرقون في همومهم، وفي جور الأزمان، كيف لي أن أحترمك بعد غرقي في ضياجير الموت، والوباء، وأنت تطل علي متبختراً متكبراً؛ لترسم لنفسك عليَّ هيبة القيادة، وتحقرني في حزم المحكومين المسحوقين، لا يا سادة؛ إن التخطيط السليم؛ يقتضي تمثيل الناس وفقاً لحاجاتهم، ووفقاً لفئاتهم الاجتماعية، والمهنية، والثقافية، وانزال الناس منازلهم، فلن يعبر الأطفال عن حاجات المسنين، ولن تنجو بنا سفينة ربانها يغفو، ولن يعلم الناس الأخلاق من تربى في الحانات.
فبقسطٍ من الموضوعية، والشراكة، والعمل الجماعي، وتقبل الآخر المختلف؛ بإمكاننا أن نتآلف، ونأتلف، أما بالاستئثار، والتحيز والإزاحة، والاستحواذ، والتحدي؛ فلن نصنع لأنفسنا إلا العداوة مع أنفسنا، وبمنطلقات عناوينها الفشل والتراجع والهزيمة؛ التي تدك البنى، وتجلب الفساد، والتطاحن. إن مقتضيات الحال تستوجب منا أن ندع الفزعة، والجكر، والاعتباط، وأن نخطط لنصوب مسارات العمل المستقبلي، ليكون للخبراء، والمهنيون دورهم في تخطيط المستقبل، وفي إدارة الشؤون المتخصصة بعيداً عن المحاصصة، والرعونة، وتزاحم الأوغاد، والنفعيون الذين يتشدقون بتواصل الأجيال، وبدعم الأجيال الشابة في تولي القيادة، وهي مجرد كلمات حق يراد بها باطل، ولا يراد بها إلا تثبيت الأعوان، واستبعاد الغير موالين، ومن يريد أن يثبت صدق نواياه فليضع برنامجاً وطنياً لتأهيل الشباب بأعلى المستويات المهنية والتعليمية ليمكنهم من أن ينافسوا على المناصب الوزارية، وليتنحى لهم العجزة الذين يتشدقون بذلك، نعم نحن بحاجة إلى وقفة وتقييم، في هذا الظرف الإنساني والوطني الذي يتطلب منا أن نتجرد من كل الأغراض الذاتية، وأن نتسامى لنرتقي بوطننا، وبقضيتنا في مواجهة ما سيخبأه لها ولنا المستقبل من تحديات.




