ضم الأراضي وشبح الإنهيار

11 ابريل, 2020 11:04 صباحاً


في لُجة أحاديث وسجالات العديد من الضباط والساسة في إسرائيل، عن ضم أراضٍ في الضفة، تشمل غور نهر الأردن؛ يتوجب النظر بعين فاحصة، لتقييم عمل الديبلوماسية الفلسطينية، على خط التواصل  مع الأشقاء والأصدقاء، لوع النقاط على الحروف، بخصوص هذا الجموح الصهيوني الذي يتجاهل الشرائع  والسياسات الدولية وما استقرت عليه الأمم، في مسألة التسوية، وما جرى التعويل من المواقف المتوازنة، طوال عقود.
  نحن اليوم بصدد عريضة وقع عليها 220 جنرالاً وضابطاً إسرائيلياً، منضوون في رابطة تشكلت منذ خمس سنوات، وأطلقت على نفسها اسم "قادة من أجل أمن إسرائيل". وفي العريضة، التي نشرت يوم الجمعة 3 إبريل الجاري، يطلب أعضاء هذه الرابطة، من بيني غانتس وغابي أشكنازي العمل على منع عملية ضم أراض أحادية الجانب. معنى ذلك ـ للأسف ـ أن الصوت المسموع، ضد خطط الضم، صدر من أوساط الحرب في إسرائيل، ما يقتضي ـ على الأقل ـ أن تحمل الدبلوماسيتين العربية والفلسطينية هذا الصوت، الى الدول الوازنة، لحثها على أن تتخذ مواقف حاسمة من خطط الضم تحت طائلة الإجراءات الردعية على مسرح الساسة الدولية.
فلا يعقل أن يُترك هؤلاء المهووسون الذين يتجاهلون سنن التاريح والقانون الدولي وقراات المنظمة الأممية، وشروط الإستقرار وحل النزاعات؛ مستمرين في تسلطهم وغرورهم، وماضين في استغلال الوضع العربي المهلهل والإنقسام الفلسطيني المتوطن كمرض عُضال، واستغلال حتى وباء كورونا، لكي يتوسعوا في الإستيطان الذي يغريهم بالضم. فالموقعون على العريضة الإسرائيلية، وغالبيتهم ممن خاضوا الحروب العدوانية؛ باتوا يرون أن أمن إسرائيل كدولة ديمقراطية كما يزعمون، وذات  أكثرية يهودية مستقرة لأجيال، كما يريدون؛ يكمن كله في حقيقة أن  الحل الأمني - السياسي الوحيد الذي يحافظ على تحقيق هدف إسرائيل "الأسمى"  هو "دولتان لشعبين"، بموجب اتفاق  إقليمي ودولي. ويؤكد هؤلاء بصراحة، على أن هذا الحل غير قابل للتطبيق في هذه الآونة،  لأسباب من بينها  "صفقة القرن" لصاحبها دونالد ترامب. ويعللون هذا الرأي، بأن الصفقة الحمقاء،  "فشلت في خلق شريك في الطرف الفلسطيني أو الإقليمي. بل إن هذه الصفقة، على الرغم من رفضها إقليمياً، لم تلق تأييداً على كل بنودها، حتى من الطيف السياسي الإسرائيلي المساند للاتجاهات الأكثر تطرفاً.
 موقعو العريضة، مقتنعون بأن رفض الأقطار العربية والفلسطينيين للصفقة، لا يبرر إغلاق الباب، لأن لا أحد يضمن    عدم اشتعال المنطقة. وهؤلاء يتحسسون خطورة الضم، الذي من شأنه التأثير على شعوب الإقليم، فتجعلها عُرضة للاحتقانات بسبب رضوخ حكامها، وترك الطرف الإسرائيلي يعربد. وهذا بالمحصلة، يتهدد إسرائيل نفسها واقتصادها، ووضعها الإقليمي والدولي.
الكثير من الجنرالات، باتوا على قناعة، بأن الإستمرار في عمليات ضم الأراضي بدل الجلاء عنها، من شأنه في النهاية، جر الجيش الإسرائيلي الى إعادة جنوده لشوارع نابلس ورام الله والخليل وجنين وقلقيلية وأزقة المدن والقرى الأخرى، وأن  يُعيد ايضاً الإدارة المدنية المباشرة والمُكلفة، التي تفتح الباب لانطلاقة الطاقات الشعبية الفلسطينية والقوى المصممة على دحر الإحتلال، وتضطر إسرائيل أيضاً الى العودة لتمويل الإحتياجات المدنية للسكان. 
السؤال الآن للقوى المتطرفة الرافضة لفكرة التسوية: هل يفهم الفلسطينيون بأن إسرائيل قد اتخذت قراراً بإنهاء كل صيغ وأفكار التسويات، لكي تستمر في احتلال الضفة؟ 
في واقع الأمر، هي لن تستطيع، مهما بلغت من القوة الغاشمة، فرض منطق الضم وتقرير حدود الدولة الفلسطينية، بمقاربات استيطانية تشطب الحق الفلسطيني في الإستقلال على حدود 1967. ومن بين محاذير الإحتلال، أن الإستمرار في التغول على الأرض وعلى الإنسان الفلسطيني، لن ينتج أمناً، بل إن السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، باتت أمام احتمالات فقدان شرعيتها وما تبقى لها من قبول شعبي، إذ لم يعد هناك رابط، بين طموحات الإستقلال الفلسطيني، وتعاون الأجهزة الأمنية مع الإحتلال الإسرائيلي. ولا مبالغة في القول، إن ما يسمى "التنسق" الأمني، أصبح في ناظر الجماهير الفلسطينية،  بعد أن فقد كل مبرراته، ضرباً من الخيانة. فإن كانت الأجهزة الأمنية الفلسطينية متماسكة اليوم، ليست مستبعدة احتمالات انهيارها، طالما أن مجريات الأمور لن تُبقي أرضاً لدولة مستقلة!

اقرأ المزيد