حاخامات بريطانيون يدعمون عقوبات المستوطنات: الصمت لم يعد خياراً

10 سبتمبر, 2026 10:51 صباحاً

فتح ميديا - متابعة:

برز انقسام واضح داخل الأوساط الدينية اليهودية في بريطانيا بشأن العقوبات التي فرضتها الحكومة البريطانية على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، بعدما أعلن عدد من كبار الحاخامات تأييدهم للخطوة، مؤكدين أن مواجهة عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني لم تعد تحتمل مزيداً من الصمت أو التقاعس.

وتأتي هذه المواقف في وقت أثارت فيه العقوبات التي أعلنها وزير الخارجية البريطاني إيد ميليباند الثلاثاء، انتقادات من كبير حاخامات بريطانيا، السير إفرايم ميرفيس، ومن "مجلس نواب اليهود البريطانيين" و"المجلس اليهودي للقيادة"، في مقابل أصوات يهودية بريطانية أخرى شددت على أن الجالية اليهودية ليست ذات موقف واحد من سياسات الحكومة البريطانية تجاه إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.

وكان ميرفيس، الذي يُنظر إليه بوصفه الزعيم الروحي لليهود الأرثوذكس السائدين في بريطانيا، قد وصف العقوبات البريطانية بأنها "يوم مظلم لليهود البريطانيين"، محذراً من أنها قد تشجع أشخاصاً "يستخدمون الكراهية سلاحاً ضد اليهود".

لكن عدداً من الحاخامات البارزين، وخصوصاً من التيارات اليهودية التقدمية والمحافظة، خرجوا للتأكيد على أن هذا الموقف لا يمثل جميع اليهود البريطانيين، وأن الخلاف بشأن العقوبات يجب ألا يحجب القضية الأساسية، وهي استمرار الاحتلال والتوسع الاستيطاني والعنف ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية.

حاخام بريطاني: رأيت عنف المستوطنين بعيني

ومن أبرز الأصوات المؤيدة للعقوبات الحاخام جوناثان ويتنبرغ، وهو من كبار حاخامات اليهودية المحافظة (Masorti)، الذي قال إنه كان موجوداً في قرية أم الخير الفلسطينية في الضفة الغربية في الوقت الذي كان فيه ميليباند يلقي كلمته بشأن العقوبات.

وقال ويتنبرغ إنه شاهد "بأم عينيه" آثار عنف المستوطنين، معتبراً أن ما يجري في الضفة الغربية يمثل، من المنظور اليهودي، انتهاكاً خطيراً للقيم الدينية والأخلاقية.

وأضاف أن ما يجري "مأساوي للفلسطينيين الذين يريدون أن يعيشوا حياتهم بسلام، ومأساوي لإسرائيل"، داعياً إلى عدم الصمت وعدم الابتعاد عن المسؤولية الأخلاقية تجاه ما يحدث.

وأكد ويتنبرغ أن الجالية اليهودية البريطانية ليست مطالبة بالموافقة على كل إجراء تتخذه الحكومة البريطانية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن "الوقت هو وقت العمل".

وتنسجم مواقف ويتنبرغ مع أصوات أخرى داخل التيارات اليهودية البريطانية التقدمية ترى أن انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية أو دعم إجراءات تستهدف المستوطنات لا ينبغي أن يُختزل تلقائياً في معاداة اليهود أو معاداة السامية.

الاحتلال والعنف يضران بالفلسطينيين والإسرائيليين

بدورها، قالت الحاخامة ألكسندرا رايت، من "المجمع اليهودي الليبرالي" في لندن ونائبة رئيس "أصدقاء الحاخامات من أجل حقوق الإنسان" في بريطانيا، إن أفراداً من الجالية اليهودية قد لا يؤيدون العقوبات، لكنها شددت على أن ثمة حاجة إلى التحرك في ظل استمرار الاحتلال وتصاعد العنف.

وقالت رايت إن العقوبات تمثل التزاماً بريطانياً بحل الدولتين، معتبرة أن المجتمع اليهودي البريطاني ملتزم بدولة يهودية "لا تقوم على القمع والعنف"، وإنما على مبادئ الحرية والعدالة والسلام الواردة في إعلان استقلال إسرائيل.

وكانت رايت قد زارت مؤخراً قرية أم الخير، التي تعرضت لهجمات متكررة من مستوطنين، ودعت المجتمع اليهودي إلى عدم عرقلة أي تقدم باتجاه حل الدولتين.

أما الحاخام جيريمي غوردون، من كنيس نيو لندن، فأعلن تأييده للعقوبات، رافضاً الدعوات إلى الصمت أو عدم التحرك أو الاكتفاء بما وصفه بسياسة "الحوافز" تجاه حركة الاستيطان وداعميها.

وقال إن استراتيجية المستوطنين تقوم، بحسب رأيه، على افتراض أنهم سيحصلون على الاسترضاء أو التجاهل، وعلى أن يتغاضى اليهود في مختلف أنحاء العالم عن "أفعالهم غير القانونية والإجرامية".

من جانبه، وصف الحاخام ليف تايلور، من كنيس كينغستون الليبرالي في لندن، العقوبات بأنها مؤشر على أن الحكومة البريطانية "تتحرك في الاتجاه الصحيح".

وقال تايلور إن بعض أعضائه الإسرائيليين كانوا يطالبون منذ فترة بعقوبات من هذا النوع، مضيفاً أن اليهودية التي يؤمن بها "ترفض هذا الاحتلال الوحشي".

خلاف على تمثيل "اليهود البريطانيين"

ويكشف الجدل عن خلاف أوسع حول مسألة من يملك حق الحديث باسم الجالية اليهودية البريطانية في القضايا المتعلقة بإسرائيل وفلسطين. ففي حين عارض كبير الحاخامات والمؤسسات اليهودية البريطانية الرئيسية العقوبات، معتبرين أنها قد تترك آثاراً على أمن اليهود البريطانيين، يؤكد حاخامات آخرون أن المجتمع اليهودي البريطاني متنوع في مواقفه السياسية والدينية، وأن تأييد إسرائيل لا يعني بالضرورة تأييد جميع سياسات حكومتها.

ويأتي ذلك بعد انتقادات وُجهت إلى العقوبات البريطانية من مؤسسات يهودية بريطانية، في وقت دافع فيه ميليباند عن قرار حكومته، رافضاً الربط بين الإجراءات المتخذة ضد المستوطنات وبين تعريض اليهود البريطانيين للخطر.

وبحسب صحيفة "الغارديان"، فإن عدداً من الحاخامات الذين أيدوا العقوبات شددوا على ضرورة التمييز بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين معاداة السامية، محذرين من أن الخلط بين الأمرين قد يؤدي إلى تجاهل ما يحدث على الأرض في الضفة الغربية.

عقوبات بريطانية غير مسبوقة على المستوطنات

وأعلنت الحكومة البريطانية الثلاثاء حزمة واسعة من العقوبات المتعلقة بالتجارة مع المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، في خطوة قالت لندن إنها تستهدف التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط به، وتأتي في إطار الدفاع عن إمكانية إقامة دولة فلسطينية وحل الدولتين.

وتستند الحكومة البريطانية إلى موقف يعتبر المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، كما سبق لبريطانيا أن أكدت أن التوسع الاستيطاني يمثل عقبة أمام السلام وحل الدولتين.

وتزامنت الخطوة البريطانية مع تحركات من دول غربية أخرى، فيما رحب بها شخصيات إسرائيلية بارزة باعتبارها مؤشراً على تغير في الموقف الدولي تجاه سياسة الاستيطان.

لكن القرار أدى أيضاً إلى تصعيد دبلوماسي مع إسرائيل، التي اتخذت إجراءات رداً على العقوبات البريطانية، من بينها قرار إغلاق القنصلية البريطانية في القدس وتقييد دخول شخصيات بريطانية، بحسب ما أوردته "الغارديان".

الصمت ليس موقفاً محايداً

ويحمل موقف الحاخامات المؤيدين للعقوبات دلالة تتجاوز الخلاف حول أداة سياسية محددة، إذ يطرح داخل المجتمع اليهودي البريطاني سؤالاً أخلاقياً وسياسياً حول كيفية التعامل مع الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين.

فبالنسبة إلى هؤلاء الحاخامات، لا ينبغي أن يؤدي الخوف من تنامي معاداة السامية أو القلق على أمن اليهود في بريطانيا إلى إسكات الانتقادات الموجهة إلى سياسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويقول هؤلاء إن الدفاع عن أمن اليهود ورفض معاداة السامية يمكن أن يتعايش مع رفض الاحتلال والعنف والاستيطان، بل إن السكوت عن هذه الممارسات قد يتعارض، من وجهة نظرهم، مع القيم الأخلاقية التي تستند إليها تقاليد يهودية واسعة.

وبذلك، لا تعكس ردود الفعل على العقوبات البريطانية مواجهة بين "اليهود" والحكومة البريطانية بقدر ما تكشف عن نقاش داخلي متزايد داخل الجالية اليهودية نفسها بشأن إسرائيل، والاستيطان، والقانون الدولي، وحدود التضامن مع سياسات الحكومة الإسرائيلية.

وفي قلب هذا النقاش تبدو عبارة الحاخام ويتنبرغ الأكثر اختصاراً للموقف: لا يمكن إدارة الظهر لما يحدث في الضفة الغربية، ولا يمكن أن يصبح الخلاف حول العقوبات مبرراً للتقاعس عن مواجهة عنف المستوطنين.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد