
كتب باسم الخالدي: في حضرة الغياب ... أبو علي شاهين
27 مايو, 2022 01:34 مساءً
بقلم : باسم الخالدي
دونما تخطيط مسبق، وجدتني بجوار بيت "أبو علي" رائحة القهوة السادة التي يصنعها بيديه وبطريقته الفريدة تستصرخني أن أصعد لاحتسائها، وكالعادة دون موعد مسبق، فبيت الحاج عامر ومفتوح على مدار الساعة.
يُفتح باب الشقة المتواضعة بأثاثها، الفخمة بفكرها وقاطنيها والكريمة بضيافتها وثقافتها. هل هي مصادفة، أبا علي، أن يكون أول ما يقع نظر الزائر عليه هو تلك المكتبة العامرة ولوحة مضاءة لأمير الشهداء أبو جهاد وبجوارها صورة لمحمود درويش؟.. أم أنها رسالة للزائر: هذا هو العنوان فلا تخطئ في ترتيب أولويات النقاش.
بعد السلام ولوم أبو علي على طول غيابك مع أنك كنت في ضيافته قبل يومين فقط، تأتي أم علي، صاحبة الوجه البشوش الذي يشعرك بأنك في ضيافة الوالدة، للتسليم عليك والسؤال عن الزوجة والأولاد، وهي تحفظ أسماءهم وفصولهم الدراسية.
تجلس على أريكة مرتفعة نسبياً فتقع عيناك على لوحة فنية رائعة للشهيد أبو عمار وأخرى للزعيم الخالد جمال عبد الناصر وثالثة، ملونة للشهيد عبد القادر الحسيني ورابعة للمفكر الكبير ادوارد سعيد وأخرى للمناضل العالمي تشي جيفارا. عندها يدفعك الفضول للنظر في زوايا الصالون الأخرى، فتجد عن يسارك مجسم فني للسيد المسيح عليه السلام، الشهيد الفلسطيني الأول كما يسميه أبو علي، والى يمينك المطبخ المفتوح ورائحة القهوة وعدد من بوابير الكاز القديمة.
وأمامك ما لذ وطاب من القرشلة بالزعتر وسلة فواكه جلبها الحاج من أريحا أوجنين أو طولكرم فهولا يقبل الا بالأفضل كل حسب منطقة زراعته وموسمه.
البيت يعطي الزائر فكرة واضحة عن ساكنيه . عن تكوينهم السياسي، الأخلاقي ، الاصالة ، التمسك بالإرث والموروث الثقافي والتاريخي، البعد الوطني والقومي والانساني، الانفتاح على الآخر وثقافته ومعتقده والتمسك بالجذور دونما تعارض أو صراع . فأبا علي هو النموذج لذاك التكوين الفذ. هو المثقف والمفكر الذي يجبرك على الانصات والنهل من كنوز معرفته، وهو ذات الرجل البسيط المتواضع الذي يذكرك برجل الخيمة أو الديوان الذي يصر على أن يخدم ضيفه بنفسه وبكل حب. هو الذي حين تشاركه الغذاء يوماً، وبيته عامر دوماً بالمدعوين، يصرخ بك إن لاحظ أنك لا تأكل بنهم كاف "سيبك من الاتكيت وشغل الاجانب وادلغص زي البني آدميين".تصادف أن زرته يوماً وكان يوم عيد زواجه الخمسين وقد أحضرت بعض الصبايا من رواد المنزل العامر ما تتطلبه مثل تلك المناسبة من حلويات، فقلت بتلقائية: هذا يوبيل زواجكم الذهبي وانشاء الله تحتفلون باليوبيل الماسي، فردت الحاجة أم علي: ياه بكفي ..أجبتها من تتحمل أبي علي خمسين سنة بما فيها من سجن وغربة ومنافي؟؟ .. لاشك أنها تستحق كل تكريم على صبرها على الظروف وعليه، فكان جزائي أن أجبرني الحاج على أكل كمية من الحلويات كانت كفيلة ألا أذوق طعم النوم تلك الليلة.
آه من تزاحم الذكريات ومن عجز الكلمات،،في آخر زيارة لأبي علي يوم ٣٠ أبريل في بيته بغزة، رأيت دموعاً في عينيه، صدمُت وصحت" الدموع ليست لأمثالك وتنبهت أنه ما زال في ملابس توحي... بأنه كان خارج البيت" .. ما الذي يبكيك أيها الجبل ؟ .. أجاب أنا للتوعائد من زيارة لقبور أحبة افتقدهم. سألت: من هؤلاء الأحبة الذين يبكون عيوناً ما تعودت البكاء؟؟ .. أجاب وهو ينتحب، الشهداء أسعد الصفطاوي واسماعيل أبوشنب وصلاح شحادة.. تمتمت والعبرات تغالبني كي لا يراها. كم أنت كبير وانسان يا أبا علي..
أبوعلي.. آه ياوجع الفراق.. وآه كم أفتقدك يا حاج ...




