اعتقالات الضفة ومأزق الإنتخابات

27 سبتمبر, 2020 08:03 صباحاً
د. عدلي صادق
د. عدلي صادق

بدا واضحاً أن الإعتقالات التي طاولت عدداً من الكوادر المناضلين في الضفة، ليست منفصلة عن مسار الخيارات الأخيرة لرئيس السلطة في الضفة، ومن بين هذه الخيارات الدفع في اتجاه الإتفاق مع حماس على انتخابات عامة، أو ذهابه الى مناورة في هذا الشأن. وباعتبار أن عباس وحده، هو الآمر بتنفيذ الإعتقالات، فإن أول خطأ وقع فيه، نتج عن استشعاره الخطر من تفشي فكرة إصلاح النظام السياسي، مع تحسسه للخطر من  المتعاطفين مع تيار فتحاوي يؤيد هذه الوجهة!
 موضع الخطأ هنا، أن الرجل يخدع نفسه ويحاول الهرب من الحقيقة، وهي أن صخور الأرض قبل قلوب البشر في الضفة، ومن جملتها قلوب الفتحاويين، باتت في انتظار يوم الخلاص من مرحلة عباس وحاشيته. ولولا أن الرجل يزحف الى سن التسعين، وأن ظروف الإحتلال في الضفة تقيد حركة الناس؛ لما أفلت في بقية عمره، من انتفاضة مخصصة له حصراً. فقد ظن الرجل أن الخطر الذي استشعره، يقتصر على الكادر الشجاع المتبرم مما آلت اليه أوضاع حركة "فتح" وآل اليه الكيان السياسي، وانتهت اليه السياقات الغبية التي اختارها هو نفسه في السياسات الداخلية والخارجية. 
  الحديث من الجانب الفتحاوي، عن انتخابات تخوضها حركتا فتح وحماس بقائمة واحدة، يفتح المجال لردود أفعال من نوع الكوميديا. ففي البدء، كانت الإعتقالات تعكس مشاعر التحسب لدى عباس، على اعتبار أن الشباب المعتقلين، يحملون وجهات نظر قابلة لأن تسري داخل المجتمع كالنار في الهشيم. والناس تعرف تاريخ وأخلاق ومستوى كل واحد من المناضلين المعتقلين،  إذ في تجربة كل منهم، ما يكفي لتكريس جدارته قائداً طليعياً. وفي كل المواقع، لم يتطفل أيٌ منهم على الدور الذي يؤديه، وإنما كان منتخباً وجديراً بثقة الوطنيين. لذا من السفاهة أن يُصار الى تناول أمر هؤلاء المعتقلين باعتبارهم بلا موضوع وبلا قضية وبلا عمق إجتماعي وبلا أنصار ورفاق.      فآراء المعتقلين ليست نشازاً وإنما هي آراء الفتحاويين جميعاً في الأطر التي يسيطر عليها عباس، تحت طائلة قطع الأرزاق. ثم إن الفتحاويين ليسوا قطيعاً مثلما يريدهم عباس ان يكونوا، وإنما وطنيون لهم عيون ترى  وعقول ترصد. وعباس هو الذي خلق مئات القضايا والموضوعات لكل المعنيين بمصير فتح ومجمل الحركة الوطنية، وهو الذي أعجز الناس عن إحصاء عدد الجوانب التي أخربها وأسكنها فساداً وانحرفات وفتن، على كل صعيد في الحياة وفي العمل الوطني العام، وفي المجتمع نفسه!
 أغلب الظن، أن الرجل المحنك في تكتيكات وألاعيب أفلام الأبيض والأسود، للميلجي وفريد شوقي؛ يعرف تماماً أنه خاسر سواء كان معطوفاً على حماس، او كانت حماس معطوفة عليه، علماً بأن حماس ـ على الأغلب ـ لن تذهب الى هذه أو تلك، بل إنها خفضّت وصف ما جاء في بيان اجتماع استنبول الى "تفاهمات يجري دراستها" حسب التصريح الأخير لرئيس الحركة اسماعيل هنية.
    الجانب الطريف من فرضية القائمة الواحدة، وهي أمنية بالنسبة للطرف الفتحاوي الذي يطرحها، هو كونها تعكس خوف عباس من مواجهة المجتمع في مناسبة انتخابية. وبالمنطق، يمكن القول إن جميع الذين أمسكوا بمقاليد سلطات الأمر الواقع، قد خسروا الكثير، وأصبحت مواقف الرابحين في انتخابات يناير 2006، أضعف بكثير منها قبل أكثر من أربعة عشر عاماً، فما بالنا بالخاسرين. ولا ننفي في هذا السياق، احتمال أن تكون فكرة القائمة المشتركة، نابعة من حرص الخاسرين السابقين، على تأليب حماس في غزة على الفتحاويين الذين يطالبون بالإصلاح، وهذا مطلب "إخواني" عباسي مشترك، مهما كانت التباينات، ولأسباب معلومة . 

__
  وإن كانت التدابير التنظيمية العباسية، ستمنح الخاسرين فرص الترشح عن فتح، عبر قائمة مشتركة مع حماس؛ فمن ذا الذي سيمنح القائمة نفسها فرص النجاح؟ إن الخوف على القوائم المفترضة، ينشأ من أسمائها. وقوائم التجديد للوجوه المُجربة، تحتاج الى دعم ولو من أضدادها. فالمهم ـ كما في عمليات القسطرة ـ هو الدعامات. لكن السؤال: من يستند الى من في هذه اللُجة إن انفجرت لواعج المجتمع وخرج أخياره وأبناؤه المشهود لهم ـ في الإختبارات الإجتماعية ـ بالكفاءة والنزاهة، وشكلوا عشرات القوائم؟!
الجواب عن هذا السؤال، يبرر التشكيك اصلاً في إمكانية إجراء انتخابات قريبة، كا يجدد الإفتراض باحتمالات الخوض خلال سنة أو أكثر في صيغة للمحاصصة.   
  إن منظار المؤرخ وقلمه، يختلفان عن قلم المنافق ومنظاره. الأول يقيس على أحوال الناس، وعلى صحة المجتمع، ويقيس على عذابات الناس، وعلى قبح السلوك السلطوي، ويتفحص نبض الكيان السياسي، ويفتش عن المفاخر وليس عن القبائح،  ولا تطربه الرزايا. فليختصر عباس على نفسه الوقت والجهد، وليعلم أن ما يقوله هيثم الحلبي وإخوته هو ما يقوله الناس جميعاً!

__
ن.م

اقرأ المزيد