فتح ميديا - رام الله:
حين ضاقت الأرض بأحمد دغش، لم يتخلَّ عنها، بل حمل زراعته إلى سطح منزله. فالوصول إلى أرضه التي ورثها أبًا عن جد في قرية الجيب، شمال غرب القدس، بات مقيدًا بفعل الجدار الذي أنشأه الاحتلال عام 2002، ولم يعد ممكنًا له ولآخرين من أصحاب الأراضي المجاورة أن يمارسوا عليها حياتهم الزراعية كما في السابق.
خلف تجربة الزراعة على السطح تكمن القصة الأهم: فأرض عائلة دغش في قرية الجيب لم تعد كما كانت، إذ إن جزءًا كبيرًا منها صودر لصالح الجدار الفاصل والطرق العسكرية الإسرائيلية
بدأت قصة أحمد دغش مع فاكهة التنين خلال تفشي جائحة كورونا، حين لم يكن أمامه الكثير مما يفعله سوى الالتفات إلى فكرة كانت قد راودته قبل ذلك بأعوام.
يقول دغش إن التجربة انطلقت فعليًا "من حوالي سبعة أعوام"، لكن زراعة فاكهة التنين كانت قبل ذلك في كوخ صغير بجانب المنزل، قبل أن ينقلها لاحقًا إلى سطح البيت.
لم يكن اختيار السطح مسألة ذوق أو رفاهية، بل ضرورة فرضتها طبيعة النبتة نفسها، فأزهار فاكهة التنين، كما يشرح دغش، "تتفتح في المساء وتبقى إلى الصباح الباكر لليوم الثاني، وإن لم تُلقَّح خلال هذه الساعات القليلة فلن تثمر". ويضيف أن بعض الأصناف "تُلقّح ذاتيًا، لكن معظمها يحتاج تدخل الريح أو النحل، ما يعني أن النبتة يجب أن تبقى قريبة من صاحبها ليتابع هذه العملية الدقيقة يومًا بيوم".
اختيار هذه الفاكهة الاستوائية تحديدًا حمل، بحسب دغش، "نوعًا من التحدي للظروف الجوية والمناخية في منطقة جبال القدس الباردة شتاءً والمتقلبة صيفًا"، إذ إن النبتة لا تتحمل حرارة تتجاوز 32 درجة مئوية، بينما سجلت المنطقة في الأعوام الأخيرة حرارة وصلت إلى 41 درجة، ما اضطره إلى تظليل الأشجار بالشوادر صيفًا وتغطيتها بالبلاستيك الشفاف شتاءً لحمايتها من البرد.
ولضمان نجاح التجربة، تواصل دغش مع مزارعين في مصر وليبيا وتونس للاستفادة من خبراتهم، وأقام على مساحة 30 مترًا مربعًا فوق السطح معرشًا من الحديد على نفقته الخاصة.
أرض قُسمت... ونبتة صعدت إلى السطح
خلف تجربة الزراعة على السطح تكمن القصة الأهم: فأرض عائلة دغش في قرية الجيب لم تعد كما كانت. يقول أحمد دغش إن جزءًا كبيرًا من أراضي العائلة صودر لصالح جدار الفصل العنصري والطرق العسكرية التي شقّها الاحتلال في المنطقة، ولم يتبقَّ للعائلة سوى عدد قليل من أشجار الزيتون واللوزيات والتين على ما تبقى من الأرض.
حتى هذا الجزء المتبقي لم يسلم من التضييق، فالعائلة تتعرض "للمضايقات عند الاقتراب من هذه الأشجار والأرض بسبب مرور الدوريات العسكرية التابعة لجيش الاحتلال"، وهو ما حرمهم من حصاد موسم الزيتون بالكامل بعد الحرب.
ويختصر دغش واقع الحال بجملة واحدة، قائلاً: "لا توجد أي مؤسسة حكومية أو خاصة قادرة على توفير الحماية لمواطن يريد الوصول إلى أرضه".
في هذا السياق، لم تكن زراعة فاكهة التنين فوق السطح مجرد تجربة زراعية مبتكرة في مدينة القدس، بل كانت أيضًا بديلًا اضطراريًا لأرض لم يعد بالإمكان التصرف بها بحرية، فالنبتة، كما يقول دغش، "غالية الثمن وقابلة للسرقة، ويجب أن تكون في مكان آمن واليد قريبة لصاحبها"، وهو ما لم يعد متاحًا في أرض العائلة في الظروف الحالية.
جواز أميركي لم يفتح بوابة الجدار
على بعد أمتار من هذه القصة، تتكرر معاناة الأرض مع صلاح عساف، أحد سكان المنطقة الذين بقيت أراضيهم خلف الجدار، ورغم أنه يحمل الجنسية الأميركية، فإن هذا لم يغير شيئًا في تعامل الاحتلال معه. يقول: "طالما أنك تحمل الهوية الفلسطينية فإنك تعامل كفلسطيني، بما في ذلك الحصول على تصريح، حتى في موسم قطف الزيتون".
ويوضح عساف أنه تقدم بطلب تصريح دخول دائم إلى أرضه، لكن طلبه قوبل بالرفض، كما تقدّم بطلب آخر عبر بلدية الجيب، لكنه لم يحصل حتى على رد، وحين توجه إلى السفارة الأميركية طلبًا للمساعدة، جاءه الجواب "عندما يتعلق الموضوع بأمن إسرائيل، فلا نستطيع عمل شيء".
يملك عساف قطعتي أرض خلف الجدار، إحداهما مزروعة بالزيتون، والثانية فارغة، وكان قد استعادها بعد معركة قضائية استمرت 12 عامًا أمام المحاكم الإسرائيلية، إذ استطاع إثبات أنها بيعت بوثائق مزورة. لكن استعادة الأرض قانونيًا لم تعنِ استعادة القدرة على الوصول إليها فعليًا، فعساف لا يزال ممنوعًا من دخولها حتى اليوم.
يملك عساف قطعتي أرض خلف الجدار، إحداهما مزروعة بالزيتون، والثانية فارغة، وكان قد استعادها بعد معركة قضائية استمرت 12 عامًا، لكن استعادتها لم تعنِ استعادة القدرة على الوصول إليها فعليًا
أما الأرض المزروعة بالزيتون، فما تزال تُحرث موسميًا رغم كل القيود، لكن ليس بيد عساف نفسه، ففي موعد الحراثة يتصل عساف بأحد الذين يملكون تراكتورًا في المنطقة لحراثتها، ويدفع هو الأجرة، في مشهد يختصر كيف يُدار حق فلسطيني بالوكالة، من خلف حاجز لا يمكن تجاوزه.
والأرض بالنسبة إلى عساف، ليست مجرد ملكية قانونية، بل إرث عائلي، فيقول: "ورثتها عن أجدادي، ولها عندي قيمة غالية، خاصة أنني وأولادي من تعب وزرع أشجار الزيتون فيها". كان ذلك كله قبل إقامة الجدار الفاصل ومعبر الجيب، ليتغير كل شيء، وتُمنع العائلة من الاعتناء بأرضها.
ويرى عساف أن هذا المنع ليس أمرًا عارضًا، بل جزءًا من مسار أبعد، فيقول: "هذا على المدى البعيد حتى يثبتوا أن الأرض غير مستعملة ثم يستولون عليها".
البلدية: الملف ليس من اختصاصنا
يقول رئيس بلدية الجيب سامر عبد ربه إن موضوع تصاريح الوصول إلى الأراضي خلف الجدار من اختصاص الارتباط الفلسطيني، أما الأراضي المصادرة والأوامر العسكرية فهي من اختصاص هيئة الجدار والاستيطان.
وأضاف عبد ربه أن دور البلدية يقتصر على تحويل هذه الملفات ومتابعتها من خلال محامين هيئة الجدار، دون أن تملك صلاحية مباشرة في حسمها.
وأكد أنه لا وجود لأي تصاريح رسمية تُمنح للمزارعين للدخول الموسمي إلى أراضيهم خلف الجدار، سواء لموسم الحراث أو موسم قطف الزيتون، وأن تنسيق دخول المزارعين يتم بالكامل من خلال الارتباط الفلسطيني، فيما يقتصر دور البلدية على تزويد الارتباط بقوائم أسماء المزارعين المعنيين.
"عزل حي الخلايلة تمهيدٌ للضم"
تقع أرض دغش وعساف وغيرهما في حي الخلايلة، الذي يُعد جزءًا من بلدة الجيب لكنه عُزل عنها خلف الجدار الفاصل والحاجز العسكري.
يوضح مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في وسط الضفة، صلاح الخواجا، أن حي الخلايلة هو واحد من مجموعة أحياء وتجمعات فلسطينية عُزلت بعد بناء الجدار الفاصل عام 2002.
ونتيجة لعزل الحي، بات سكانه يحتاجون إلى "استثناء" من سلطات الاحتلال يتيح لهم الخروج من بيوتهم والعودة إليها، وهو نمط يؤكد الخواجا أنه تكرر في مناطق متعددة من الضفة الغربية، من قلقيلية وطولكرم إلى سلفيت ورام الله وشمال غرب القدس.
لكن هذا "الاستثناء" بحسب الخواجا، تحوّل مع الوقت إلى أداة تضييق إضافية، إذ بدأت سلطات الاحتلال تفرض قيودًا متزايدة على هذه العائلات، فتمنعها من التواصل الاجتماعي الطبيعي مع محيطها حتى في المناسبات كالأفراح والأعياد، مع تقييد حركتها دون أن تُعامَل مثل سكان القدس أو حاملي الهوية الزرقاء.
ومنذ أعوام، بدأ الاحتلال يمنع أي توسع في البناء داخل هذه الأحياء المعزولة، رغم النمو السكاني الطبيعي للعائلات وحاجة الأبناء إلى بيوت مستقلة عند الزواج، ما يجبرهم على الزواج في مسكن العائلة نفسه جيلاً بعد جيل. كما حرم سكان هذه التجمعات مؤخرًا حتى من استخدام الأراضي كمراعٍ، بعد أن اعتادوا ذلك لعقود.
وقبل أقل من ستة أشهر، أُعلن رسميًا عن فرض واقع جديد في إطار ما يصفه الخواجا بأنه "ضم إداري لحي الخلايلة"، إذ يُمنح السكان تصريح دخول وخروج عبر الحواجز، لكنه يحدد مكان عملهم بدقة ولا يسمح لهم بالتنقل خارجه حتى داخل الخط الأخضر.
كما يُحرم أبناء هذه الأحياء من التصريح إن تزوجوا من خارج تجمعاتهم، حتى ضمن آليات "لم الشمل" المعتمدة في مناطق أخرى كالقدس.
يرى الخواجا في هذه الإجراءات مسارًا مقصودًا لخلق وقائع جديدة تخدم سياسة الضم، عبر تعقيد حياة السكان بما يبرر لاحقًا تهجيرهم من تجمعاتهم.
الإجراءات الإسرائيلية بحق أهالي حي الخلايلة تشكل مسارًا مقصودًا لخلق وقائع جديدة تخدم سياسة الضم، عبر تعقيد حياة السكان بما يبرر لاحقًا تهجيرهم من تجمعاتهم
وأضاف أن عددًا من المؤسسات، إلى جانب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ترفض فكرة تحويل هذه الأحياء إلى "معازل" أو "غيتوهات" أو "سجون"، وتطالب بإعطاء سكانها حرية الحركة والتنقل، "لكن حتى الآن كل قرارات الاحتلال تخدم هذه السياسة العنصرية التي تقودها حكومة سموتريتش وبن غفير ونتنياهو" وفق قوله.
الارتباط الفلسطيني : البلدية هي من تحدد
من جهته، قال مدير الارتباط المدني الفلسطيني لضواحي القدس، حامد شحادة، إن عملية التنسيق لدخول المزارعين إلى أراضيهم تتم بشكل مشترك بين الارتباط والبلدية.
وبحسب شحادة، فإنه لا سنّ محددًا للسماح للمزارعين بالدخول إلى أراضيهم، كما لا يوجد سقف أو عدد محدد مسبقًا للمزارعين المسموح لهم بالدخول، إذ إن عدد المزارعين هو ما تحدده البلدية نفسها عبر القوائم التي تُرفع للارتباط.
وبين تجربة أحمد دغش الذي صعد بزراعته إلى سطح منزله، وقصة صلاح عساف الذي يملك أرضًا لا يستطيع الوصول إليها رغم حكم قضائي وجواز سفر أجنبي، تتكشف صورة أوسع لواقع قرية الجيب: أرض قُسّمت بين جدار وطريق عسكري وحاجز عسكري، بينما يدور أصحابها في حلقة مفرغة لا توصلهم إلى نتيجة.
تقرير: ربا دغش