«لا فتحستان ولا حماسستان»، هكذا كان القرار الإسرائيلي منذ مطلع الحرب للحفاظ على استمرار فصل قطاع غزة. فالسابع من أكتوبر أنهى الحالة الاستخدامية لـ»حماس» بالاستمرار بهذا الدور، أما السلطة وحركة فتح فقد كان هدف الحفاظ على الانقسام ضمان عدم عودتهما للقطاع.
وهذا الأمر حافظت عليه حكومات أولمرت وبنيامين نتنياهو ونفتالي بينيت ويائير لابيد لأنه قرار الأمن القومي بعد الشعور بخطيئة أوسلو والمفاوضات على الدولة والقدس.
فجاءت اللجنة كي يتم وضعها كإطار بديل عن «حماس» و»فتح»، ولكن هل كان يمكن تحت الإبادة أن يرفض الفلسطينيون اللجنة ويفرضوا قواهم السياسية؟ بالقطع لا، فقد كانت اللجنة أقل الحلول ضرراً وخصوصاً أنه جاء في خطة ترامب أنها مؤقتة.
ليس هناك شك بأن الرئيس قام بإصدار مرسوم إجراء انتخابات المجلس التشريعي يوم الثامن والعشرين من تشرين الثاني القادم بغطاء خارجي أو أميركي أو على الأقل بضوء أخضر أميركي لأن وضع السلطة لا يسر صديقا ولم تعد مؤهلة للاستمرار بشكلها القائم، حيث غياب القانون وغياب الانتخابات وغياب العدالة تجعلها غير قادرة على إقناع الفلسطينيين بجدارتها، بل إن واقعها يوفر مناخات لنمو حالات خارج النسق السياسي بالإضافة لأرضية أكبر يوفرها وجود الاحتلال لبروز تيارات مقاتلة.
فالرئيس الذي يدرك حساسية اللحظة والمناخ الحكومي المطالب بحل السلطة لم يكن يتحدى بهذا الشكل بمرسوم رئاسي وممارسة سيادية على أرض الضفة على الأقل لو لم يكن خلفه غطاء كامل. وإلا كيف يمكن تفسير الصمت الإسرائيلي تجاه مرسوم الرئيس؟
هذا تطور جديد ومهم على خطة ترامب لم يكن قائماً عندما تم الإعلان عنها في تشرين الأول الماضي، فالخطة نصت على أن تقوم اللجنة بإدارة قطاع غزة لمدة عام وبقيت أشهر قليلة على العام حيث تشكلت منتصف كانون الثاني الماضي. والملاحظ أن بريق اللجنة آخذ بالانطفاء، فمنذ أسابيع لم يعد يسمع عنها أي شيء، وزاد من صعوبة الأمر أن بنيامين نتنياهو أعلن رفضه للانتقال للمرحلة الثانية من خطة ترامب والتي تعني عدم دخول اللجنة لقطاع غزة.
لكن على ما يبدو أننا أمام تغير على المرحلة الثانية نفسها وإذا كان الأمر قد تم بالتشاور أو برغبة خارجية ويمكن فهم ذلك في سياق تجريد حركة حماس آخر شرعياتها بعد تجريدها من الحكم والسلاح بقطاع غزة.
يبدو أن الأمر يرتبط أيضاً برحيل بنيامين نتنياهو. فالانتخابات الفلسطينية إن جرت كما هو مصمم بعد شهر واحد من انتخابات إسرائيل التي تبدو حظوظ نتنياهو فيها صعبة وفقاً للاستطلاعات وغالباً ما تكون قريبة من الواقع، يتراوح معسكره عند الـ 50 مقعداً ولا يمكن الانتقال بين المعسكرات ليستقطب من الجانب الآخر ولا يمكن انتقال كتلة بحوالي تسعة أو ثمانية مقاعد لمعسكره خلال الأسابيع القليلة القادمة.
علينا أن ننظر بتلك الأهمية لانضمام يوآف سيغالوفيتش لقائمة منصور عباس وهذا سيمكن «راعم» بحجة دعم وزيرها اليهودي من إعطاء الثقة وتجاوز العتبة اللازمة لتشكيل الحكومة، أي أن السيناريو يوحي بتغيير كبير وانتهاء حقبة السابع من أكتوبر بـ»حماس» ونتنياهو ومعه سموتريتش وبن غفير. ولكن ألا تبدو الأمور على درجة من التعقيد؟ فانتخابات فلسطينية لو جرت تعني إيجاد مسؤولين منتخبين لقطاع غزة من الذين قرر الشعب أن يمثلوه فكيف يمكن حينها أن تديره شخصيات أخرى؟ فإن جرت الانتخابات سيكون هذا نهاية للجنة، أما إذا لم تجرِ الانتخابات تبقى اللجنة معلقة بقرار نتنياهو لكن في حال مغادرته سيكون الأمر خاضعاً لمقاربة الحكومة المكلفة.
ترامب سريع الملل ليس لديه صبر السياسيين بل سرعة المضاربات والصفقات، فالزخم الذي صاحب خطته في أكتوبر الماضي تراجع وغرق في حرب أخرى لا تبدو خيارات إنهائها سهلة ولم يضغط بما فيه الكفاية على نتنياهو بل إن بعض مقربي الرئيس يقولون، انه فقد الشغف بعمله وهذا ممكن بعد اصطدامه بتعقيدات السياسة ونقص مؤهلاته اللازمة لها وعدم قدرته على تحقيق إنجازات والفجوة الكبيرة بين الإخفاق وارتفاع الأسعار وبين صورته التي يتخيلها عن نفسه كأعظم رؤساء أميركا على مر التاريخ. ويجري تسريب أحاديث عن أن الرئيس ترامب يحضر لخطة شاملة للشرق الأوسط، جزء منها لزيادة عزل ايران والجزء الآخر يتعلق بتوسيع اتفاقيات التطبيع في المنطقة دون أن يدرك وهو يستسهل وضع الخطط على الورق أن للتطبيع مع دولة مثل السعودية مثلاً كلفة لا يستطيع أكثر قادة إسرائيل مرونة دفعها فستبدو خطط ترامب أشبه بكل الخطط المتعثرة والتي تشبه صفقة القرن، هكذا هو ترامب.
يجب أن تجري الانتخابات الفلسطينية دون أي محاولات لتأخيرها أو تأجيلها حتى لا يفقد الفلسطينيون الفرصة، فالفصائل تأخذ الأمر بجدية وتتحضر لها فيما المواطن الفلسطيني الذي عاني من فشل بناء النظام السياسي المنقسم لم يصدق بعد وجميع من أحاورهم يسخرون من جدية الأمر، وهي فرصة الفلسطينيين الوحيدة للعودة للعب دور أكثر فاعلية في ملفهم بعد أن تم عزلهم سواء بفعل إسرائيلي أو بفعل فلسطيني ارتكب خطأه الأكبر ليستدعي قوات دولية ومجلس وصاية لحكم غزة. فالحل هو إجراء الانتخابات وتحشيد العالم للوقوف إلى جانبهم حتى لا تضيع فهي على الأقل ستحل معظم التعقيدات الداخلية التي نشأت بفعل الفراغ وكذلك البنى المستحدثة.
الانتخابات تنهي لجنة غزة ..!
تاريخ النشر : 06 سبتمبر, 2026 09:13 مساءً