فتح ميديا - وكالات:
حذّر رئيس غرفة تجارة وصناعة جنين، عمار أبو بكر، من التداعيات الاقتصادية المتفاقمة التي تعصف بالمحافظة، في ظل استمرار الاقتحامات والاعتداءات الاستيطانية وتدمير البنية التحتية وإغلاق الطرق والقيود المفروضة على حركة المواطنين والتجار والعمال، مؤكداً أن القطاعين التجاري والصناعي في جنين يواجهان واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية منذ سنوات.
وقال أبو بكر إن الوضع العام في جنين «صعب للغاية»، مشيراً إلى أن المحافظة دخلت مرحلة بالغة الحساسية، خصوصاً مع اقتراب موسم الزيتون واستمرار اقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي في عدد من المناطق.
وأوضح أن الاعتداءات وإجراءات الاحتلال طالت عدداً من الطرق والمناطق الحيوية، من بينها شارع عرابة–يعبد، ومفترق عرابة، وشارع نابلس، وعنزة، والعجة، وجبع، والشارع الالتفافي، ومحيط مستوطنتي جنيم وكديم، إلى جانب أضرار طالت محال تجارية ومنازل ومنشآت مختلفة.
وأضاف أن استمرار الاجتياحات والنزوح من مخيم جنين وانعكاساته على الحياة اليومية، إلى جانب تدمير الطرق وإعاقة الحركة، ألحق أضراراً مباشرة بالنشاط التجاري والصناعي، وأضعف قدرة المنشآت الاقتصادية على الاستمرار.
تراجع حركة المتسوقين من الداخل
وأشار أبو بكر إلى أن أحد أبرز مصادر الحركة الاقتصادية في جنين كان يتمثل في المتسوقين الفلسطينيين من الداخل، إلا أن دخولهم إلى المحافظة أصبح «محدوداً جداً»، نتيجة القيود المفروضة على المعابر والحواجز.
وقال إن فتح حاجز الجلمة بات يقتصر، وفق الوضع الحالي، على أيام محدودة جداً خلال الشهر، بعدما كانت الحركة التجارية المرتبطة بالداخل الفلسطيني تشكل رافعة أساسية لاقتصاد المدينة.
وبيّن أن جنين كانت تستقبل في فترات سابقة أعداداً كبيرة من المركبات القادمة من الداخل، لافتاً إلى أن بعض الفترات كانت تشهد دخول نحو ألفي إلى ثلاثة آلاف سيارة، الأمر الذي كان ينعكس بصورة مباشرة على الأسواق والمحال والمنشآت التجارية والخدماتية.
وأكد أن فقدان هذه الحركة أدى إلى خسارة مصدر مهم من مصادر الدخل، بالتزامن مع توقف أعداد كبيرة من العمال عن العمل في الداخل، وتراجع أعداد الطلبة في الجامعات، وانحسار الإنفاق المرتبط بهم وبعائلاتهم.
اقتصاد جنين أمام أزمة متراكمة
وشدد رئيس غرفة تجارة وصناعة جنين على أن الأزمة الاقتصادية الحالية لا يمكن اختزالها في تداعيات ما بعد السابع من أكتوبر، مؤكداً أنها جاءت نتيجة تراكمات بدأت قبل ذلك بسنوات.
وقال إن جنين واجهت ظروفاً اقتصادية صعبة منذ عام 2022 وما قبله، إضافة إلى التداعيات الكبيرة التي خلفتها جائحة كورونا والإغلاقات التي استمرت لفترات طويلة، ما راكم الأعباء على القطاعات التجارية والصناعية وأضعف قدرتها على التعافي.
وأوضح أن الاقتصاد المحلي في المحافظة كان يعتمد بدرجات متفاوتة على عدة روافد رئيسية، من بينها العمالة في الداخل، والمتسوقون من الداخل الفلسطيني، والطلبة والجامعات، إلى جانب النشاط التجاري العام، إلا أن معظم هذه العوامل تعرضت لضربات متتالية خلال السنوات الأخيرة.
«لا نملك اقتصاداً مستقلاً ولا منافذ بديلة»
و قال أبو بكر إن الخيارات المتاحة أمام الاقتصاد الفلسطيني محدودة للغاية في ظل واقع الاحتلال.
وأوضح أن غياب السيطرة الفلسطينية الكاملة على المعابر والموانئ والحدود يجعل بناء اقتصاد مستقل وقادر على المناورة أمراً بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن الاحتلال يتحكم بدرجة كبيرة في حركة الاقتصاد من خلال فتح وإغلاق المعابر والطرق والحواجز.
وأضاف أن ما يمكن العمل عليه في المرحلة الراهنة هو «حلول جزئية وتلطيفية»، من بينها تسهيل حركة المواطنين من الداخل الفلسطيني عبر ممرات ومعابر أخرى، مشيراً إلى مطالبات سابقة بفتح طرق مثل بيتان وغيرها أمام الحركة التجارية.
كما تحدث عن الوعود المتعلقة بإعادة فتح حاجز الجلمة بصورة أوسع، مؤكداً أن هذه الوعود لم تنفذ حتى الآن بالشكل المطلوب.
آمال على تغيير سياسي يفتح المجال أمام التعافي
وقال أبو بكر إن القطاع الاقتصادي في جنين لا يستطيع بمفرده معالجة الأزمة، معتبراً أن الحلول الحقيقية ترتبط بالواقع السياسي والأمني وبطبيعة السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
وأشار إلى أن كثيراً من المتابعين يراهنون على الانتخابات الإسرائيلية المقبلة وما قد تفرزه من تغير في المشهد السياسي، معرباً عن أمله في أن تقود المرحلة المقبلة إلى وجود حكومة إسرائيلية أكثر اعتدالاً، يمكن التعامل معها بما يفتح المجال أمام تحسين ظروف الحركة والاقتصاد والأمن.
وأكد أن البدائل الاقتصادية في الوقت الراهن محدودة، وأن القطاع الخاص، رغم كونه أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الفلسطيني، يتحمل الجزء الأكبر من تداعيات الأزمة.
منشآت «تفتح لتبيع وتصرف من رأس مالها»
وفيما يتعلق بأوضاع المنشآت الاقتصادية في جنين، أوضح أبو بكر أن عدداً من المحال والمنشآت أغلقت أبوابها بالفعل، فيما لا تزال منشآت أخرى تعمل بصورة جزئية رغم ضعف النشاط.
وقال إن بعض أصحاب المنشآت «يفتحون ليبيعوا ويصرفوا من رأس مالهم»، أو لتسديد جزء من الديون والالتزامات المتراكمة، في ظل غياب القدرة الشرائية لدى المواطنين.
وأكد أن استمرار أي منشأة اقتصادية يحتاج إلى بيئة اقتصادية مستقرة، وإلى وجود سيولة وأموال في أيدي المواطنين تمكنهم من الشراء، مشيراً إلى أن ضعف القدرة الشرائية بات أحد أبرز التحديات التي تواجه التجار.
وأضاف أن موسم المدارس، الذي يمثل عادةً فترة مهمة للقطاع التجاري، يأتي هذا العام في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، ما يجعل الأسر الفلسطينية أمام ضغوط كبيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية والالتزامات المتراكمة.
خسائر يومية بعشرات الملايين
وكشف أبو بكر عن حجم كبير من الخسائر التي يتكبدها اقتصاد جنين نتيجة تراجع الحركة التجارية، مشيراً إلى أن حصر الخسائر الإجمالية بشكل دقيق ما يزال أمراً صعباً، إلا أن مؤشرات تراجع الإيرادات اليومية تعطي صورة واضحة عن حجم الضرر.
وقال إن المحافظة تخسر، وفق تقديرات غرفة التجارة والصناعة، ما لا يقل عن 20 إلى 25 مليون شيكل من المدخولات اليومية.
وأوضح أن المتسوقين القادمين من الداخل كانوا يضخون ملايين الشواكل في الاقتصاد المحلي، إلى جانب دخل العمال والطلبة والحركة الاقتصادية المرتبطة بالجامعات.
وأشار إلى أن الاقتصاد المحلي كان يعتمد بصورة كبيرة على العمالة في الداخل، مقدراً نسبة هذا الاعتماد بنحو 35%، في وقت بات فيه عدد كبير من العمال غير قادرين على الوصول إلى أماكن عملهم.
كما أشار إلى أن الحركة الاقتصادية المرتبطة بأهالي الداخل الفلسطيني تراجعت بصورة حادة، فيما تقلصت أيضاً المدخولات المرتبطة بالطلبة والجامعات وغيرها من مصادر النشاط الاقتصادي.
جنين أمام اختبار اقتصادي صعب
وأكد رئيس غرفة تجارة وصناعة جنين أن استمرار الوضع الحالي يضع القطاع الخاص أمام اختبار غير مسبوق، في ظل تراجع المبيعات، وارتفاع الالتزامات، وتراكم الديون، وانخفاض القدرة الشرائية.
وشدد على أن التجار والصناعيين بحاجة إلى حركة اقتصادية حقيقية تمكنهم من الاستمرار، وليس فقط إلى فتح شكلي للمنشآت، مشيراً إلى أن استمرار العمل في ظل انعدام القدرة الشرائية يعني في كثير من الحالات استنزاف رأس المال وليس تحقيق أرباح.
وفي ختام حديثه، أعرب أبو بكر عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تحسناً في الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية، وأن تعود الحركة التجارية إلى جنين تدريجياً، مؤكداً أن القطاع الخاص ما زال متمسكاً بالأمل في تجاوز الأزمة واستعادة المدينة لنشاطها الاقتصادي.