أطرح هذا السؤال من باب الحرص على فتح، لا من باب التشفي بها: ماذا قدمت الحركة خلال عشرين عاماً لجيل كامل أصبح اليوم يملك حق الانتخاب؟ وعلى ماذا تراهن قيادتها في الانتخابات التشريعية القادمة؟
في انتخابات 2006 خسرت فتح، وكانت الهزيمة رسالة واضحة بأن الحركة تعاني أزمة سياسية وتنظيمية عميقة. لكن ما كان يجب أن يكون لحظة مراجعة وإعادة بناء، تحول بعد ذلك إلى سنوات من الانقسام الفلسطيني، ثم الانقسام الفتحاوي الداخلي، وتراجع دور الأطر التنظيمية، واتساع المسافة بين القيادة والقاعدة.
لا يمكن تحميل حماس وحدها مسؤولية ما وصلت إليه فتح. فالانقسام الفلسطيني بعد 2007 كان كارثة وطنية، لكنه في الوقت ذاته كشف هشاشة البيت الفتحاوي. والأسوأ أن الخلاف داخل فتح تحول في مراحل كثيرة من اختلاف سياسي وتنظيمي يمكن إدارته إلى حالة إقصاء وفصل لكوادر وقيادات، بعضهم من أصحاب التاريخ الطويل داخل الحركة.
وهنا أعتقد أن السؤال الأكثر إيلاماً هو: ماذا ربحت فتح عندما خسرت أبناءها؟
الحركة التي يفترض أن تتسع للاختلاف وتحتضن كوادرها، لا يمكن أن تقوى بإبعاد المختلفين معها. فالكوادر التي جرى فصلها أو تهميشها لم تغادر المجتمع، ولم تختفِ من المشهد، وإنما بقيت حاضرة بين الناس، وهو ما جعل الانقسام الفتحاوي أكثر عمقاً من مجرد خلاف داخل الأطر التنظيمية.
وفي الوقت نفسه، نشأ جيل جديد بالكامل. جيل لم يكن ناخباً في 2006، وبعضه لم يكن قد ولد أصلاً. هذا الجيل عاش عشرين عاماً تحت وطأة الانقسام والحروب والأزمات الاقتصادية، ولم يعش تجربة فتح التاريخية كما عاشها جيل الثورة.لذلك لا يمكن مطالبة هذا الجيل بالتصويت لفتح فقط لأنها صاحبة التاريخ.
هذا الجيل يريد أن يعرف ماذا ستقدم له فتح في المستقبل، يريد مؤسسات حقيقية، وعدالة، وفرصاً للشباب، ومشاركة في القرار، وتجديداً في القيادة، وموقفاً واضحاً من الانقسام، وحياة سياسية تعيد للناس ثقتهم بأن صوتهم قادر على التغيير.
وهنا تكمن المعضلة.
ماذا قدمت فتح خلال هذه السنوات لاستقطاب هذا الجيل؟ كم شاباً أُعد فعلياً للقيادة؟ وكم كادراً جديداً وصل إلى مواقع القرار على أساس الكفاءة والانتخاب؟ وهل ما زالت الحركة قادرة على مخاطبة جيل اليوم باللغة التي يفهمها ويثق بها؟
لا أعتقد أن المشكلة تكمن في غياب الإمكانات، فتح ما زالت تمتلك تاريخاً وطنياً كبيراً، وقاعدة شعبية، وكوادر ذات خبرة، وحضوراً سياسياً وتنظيمياً لا يمكن تجاهله، لكن المشكلة أن رصيد التاريخ لا يمكن أن يبقى بديلاً عن رصيد الحاضر.
ولهذا فإن السؤال أمام أبو مازن واللجنة المركزية قبل الانتخابات ليس فقط: كم مقعداً يمكن أن تحصل عليه فتح؟
السؤال الأهم: على ماذا نراهن؟
هل نراهن على اسم فتح وتاريخها؟ أم على ضعف المنافسين؟ أم على الخوف من تكرار تجربة 2006؟ أم أن هناك فعلاً مشروعاً جديداً قادراً على إقناع المواطن بأن فتح تمثل مستقبله؟
إذا كان الرهان على التاريخ وحده، فهو رهان غير مضمون.
فالناخب اليوم، وخاصة الشاب، لا يصوت بالوراثة السياسية. وهو لا يريد أن يسمع فقط لماذا لا يصوت للآخرين؛ بل يريد أن يعرف لماذا يصوت لفتح؟ وهذا السؤال لا تجيب عنه الشعارات، وإنما تجيب عنه الممارسة.
فتح بحاجة إلى مراجعة شجاعة تبدأ من انتخابات 2006، مروراً بالانقسام الفلسطيني، وصولاً إلى الانقسام الفتحاوي الداخلي، وفصل الكوادر، وتراجع الحياة التنظيمية، وفشل محاولات المصالحة، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة.
المراجعة المطلوبة ليست لتوزيع الاتهامات، وإنما لاستعادة الحركة لنفسها، إعادة أبناء فتح إلى بيتهم، لا إخراج المزيد منهم، استيعاب الاختلاف، لا معاقبة المختلف، تجديد القيادة، لا إعادة تدويرها، إشراك الشباب، لا استدعاؤهم فقط عند الانتخابات.
الانتخابات القادمة ليست مجرد معركة على مقاعد المجلس التشريعي؛ إنها اختبار لفتح نفسها، اختبار لقدرتها على أن تنتقل من حركة تعيش على رصيد تاريخها إلى حركة تصنع رصيد مستقبلها.
ففتح لا ينقصها التاريخ، ولا ينقصها الرجال ولا الكوادر، لكن ما ينقصها اليوم هو قرار حقيقي بإعادة بناء البيت الفتحاوي من الداخل، واستعادة الثقة، وفتح الطريق أمام جيل جديد.
وفي النهاية، السؤال الذي يجب أن يسبق صناديق الاقتراع ليس: هل ستفوز فتح؟
بل: هل قدمت فتح لهذا الجيل ما يكفي ليختارها؟
لأن الناخب قد يحترم تاريخ الحركة، لكنه في النهاية سيصوّت لمن يثق بأنه قادر على صناعة مستقبله.