في السياسة، لا تحتاج السفينة إلى كثرة البحّارة بقدر حاجتها إلى قبطان يعرف اتجاه الريح، ويقرأ حركة الأمواج، ويمتلك القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى قيادة تمتلك رؤية واضحة، تستطيع أن تقود السفينة الوطنية وسط بحر متلاطم إلى برّ الأمان.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تجربة القياديين محمد دحلان وسمير المشهراوي، وما يطرحانه من رؤى سياسية وتنظيمية داخل تيار الإصلاح الديمقراطي، باعتبارها محاولة لبناء قراءة مختلفة للواقع الفلسطيني، لا تكتفي بمراقبة الأحداث بعد وقوعها، وإنما تحاول استشراف مساراتها قبل أن تتشكل بصورة كاملة.
فالقيادة السياسية الوازنة لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي تتخذها، وإنما بقدرتها على فهم ما وراء القرار، وما سيترتب عليه، وكيف سيتفاعل معه الفلسطيني والإقليمي والدولي.
وهنا تبرز فلسفة القرار السياسي التي تقوم على ثلاثة محاور متداخلة: الفلسطيني، والإقليمي، والدولي. فالقرار الذي يقرأ الساحة الفلسطينية وحدها قد يصطدم بالواقع الإقليمي، والقرار الذي يراعي الإقليم دون حساب الموقف الدولي قد يجد نفسه محاصرًا. أما القرار الناضج فهو الذي يوازن بين هذه الدوائر الثلاث، دون أن يفقد البوصلة الوطنية.
وأقول ذلك من تجربة شخصية في الكتابة والتحليل السياسي؛ فقد كنت في بعض الأحيان أطرح رؤية سياسية وأقدم قراءة لما اعتقدت أنه القرار الأقرب أو المخرج الممكن، ثم أكتشف بعد فترة أن تقديري لم يكن دقيقًا، لأنني لم أضع في حساباتي بالقدر الكافي حركة الإقليم والموقف الدولي وتشابكات المصالح وموازين القوى.
وهنا أدركت أن السياسة لا تُقرأ من نافذة واحدة، وأن القرار الفلسطيني لا يمكن عزله عن محيطه. فليس كل ما يبدو ممكنًا على الورق يصبح ممكنًا في ميدان السياسة، وليس كل تأخير يعني ترددًا، فقد يكون وراء التأجيل حسابات لم تظهر بعد.
ويختصر المتنبي هذه الفكرة بقوله:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فالقرار يحتاج إلى عقل يقدّر، وشجاعة تنفّذ، وبصيرة ترى ما وراء اللحظة.
ولهذا فإن السياسة ليست عاطفة وحدها، كما أنها ليست عقلًا باردًا وحده. العاطفة من دون عقل قد تقود إلى الهاوية، والعقل من دون روح وطنية قد يقود إلى طريق بلا بوصلة. أما الحكمة السياسية فهي أن يلتقي العقل بالعاطفة، والمبدأ بالواقعية، والطموح بحسابات الممكن.
ولعل التحول الأبرز في تجربة تيار الإصلاح الديمقراطي أن سقف التيار ارتفع من كونه بيتًا فتحاويًا إلى فضاء يتطلع إلى مدينة فلسطينية تتسع لكل البيوت، بما تحمله هذه الصورة من دلالة على الانتقال من الإطار التنظيمي الضيق إلى أفق وطني أوسع.
فالمدينة لا تُبنى ببيت واحد، والوطن لا يُختصر في تنظيم واحد، والقرار الوطني الفلسطيني لا ينبغي أن يكون أسير دائرة ضيقة، وإنما ثمرة مشاركة وطنية واسعة، تستند إلى الشرعية الشعبية والمؤسساتية وتحترم تعدد القوى والتيارات.
ومن هنا يصبح الحديث عن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية واستعادة دورها الجامع اختبارًا حقيقيًا لأي رؤية سياسية فلسطينية؛ فالمطلوب ليس تبديل الوجوه فقط، وإنما إعادة بناء البيت الوطني على قاعدة المشاركة والشراكة، بحيث يصبح القرار الفلسطيني أكثر استقلالًا وقدرة على التعبير عن مصالح الشعب الفلسطيني.
وما يلفت في رؤية دحلان والمشهراوي هو محاولة تجاوز حدود اللحظة الراهنة، والنظر إلى ما يمكن أن يحدث غدًا. فبعض العقول السياسية لا تتوقف عند حدود الممكن القائم، بل تمتلك خيالًا سياسيًا قادرًا على تصور الممكن القادم.
وهنا يمكن أن نسمي ذلك فراسة سياسية؛ ليست تنبؤًا بالغيب، وإنما قدرة على قراءة المؤشرات الصغيرة، وربط الأحداث المتفرقة، واستشراف الاتجاه قبل أن يصبح واضحًا للجميع.
فالسفينة الفلسطينية لا ينقصها البحارة، وإنما تحتاج إلى بوصلة وطنية واضحة، وقيادة تعرف متى تواجه الموج، ومتى تغيّر المسار، وكيف تصل إلى شاطئ الأمان دون أن تفقد هويتها الوطنية.
وفي النهاية، تبقى القيادة الحقيقية هي التي ترى أبعد من اللحظة، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة، وتدرك أن فلسطين أكبر من أي تنظيم، وأن القرار الوطني الفلسطيني ملك للشعب الفلسطيني كله.
من بيت فتحاوي إلى مدينة فلسطينية تتسع للجميع… تلك هي المسافة التي تُقاس بها الرؤية، وتُختبر فيها قدرة القيادة على الانتقال من التنظيم إلى الوطن.