في فرضيّة الانتخابات
تاريخ النشر : 20 ديسمبر, 2019 12:01 مساءً

فتح ميديا - القاهرة -

كان العرض المتعلق بالانتخابات، الذي قدمه رئيس السلطة في جلسة انعقاد مجلسه الثوري؛ يشترط على العملية الإنتخابية ويطرح جديداً يمثل غمامة تحجب ما وراءها بخصوص مستقبل النظام السياسي. فإن لم ينتخب المقدسيون في قلب القدس، عندئذٍ لن تكون هناك انتخابات.

ومع الإقرار بوجاهة دوافع مثل هذا الإشتراط، يتبدى الرأي ناقصاً ومتغاضياً عن وضعية التظام السياسي في حال لم تلب إسرائيل هذا الشرط تحديداً، علماً بأن الآراء المنشورة في الصحافة الإسرائيلية، تُرجح أن حكومة الإحتلال تفضل إجراء انتخابات من منظورها سياسياً وأمنياً، لأن الوضع في الأراضي المحتلة عام 67 يقلقها بسبب تفاقم الأزمة الإجتماعية ـ الإقتصادية وانسداد الأفق الذي يمكن أن ينعكس عليها.

فقد كان واضحاً من خلال آراء الإسرائيليين، أنهم يراجعون أصل الموضوع، بمعنى أن ذهاب الفلسطينيين الى انتخابات دون تحديد سقفها السياسي وهو أوسلو، فسيكون للاحتلال اشتراطه التي يمكن أن ترفضها حماس وتقبلها السلطة في رام الله بحكم كون منظمة التحرير طرفاً في اتفاقية إعلان المباديء.

وعندئذ نعود الى المربع الأول، وهو أن الإنتخابات العامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تستوجب توافر ومستلزمات إجرائها وأولها التوافق السقف السياسي وعلى مجمل خطوات العملية الإنتخابية وإعادة العمل بالوثيقة الدستورية وإحياء مؤسسة الرقابة والتشريع التي سيشغل الفائزون بعضويتها مقاعدهم.

فقد أشار أحد المحللين الإسرائيليين في صحيفة "جيروزاليم بوست" الصادرة اليوم، أن الإنتخابات التي تُجرى بدون توافق الفلسطينيين، ستكون عرضة للتزوير، بحكم سيطرة سلطة عباس على الضفة وسلطة حماس على غزة.

وطالما أن هذا هو الواقع، وأن التوافق غائب، فالإحتمال كبير إن يرفض الطرف الخاسر النتائج، لأن التدابير الضامنة للشفافية غير متوافرة حتى ولو كان هناك شفافية فعلاً. إن كل ما قيل حتى الآن، يغذي احتمال عدم حدوث انتخابات، ولن تتوفر الصدقية لمن يقولون إنهم يريدونها إلا في حال التقدم خطوات في اتجاه التوافق على آليات ومحددات العملية الإنتخابية، على النحو الذي يشمل ضوابط الترشح والاقتراع وضمانات القبول بالنتائج وتحقيق التداول.

عندما يقول عباس إنه لن يُجري انتخابات في حال عدم تصويت المقدسيين في قلب القدس، لن تجد حماس ما تقوله لأن الشرط له أبعاده الوطنية والسياسية.

لكنها ومعها عباس ماذا سيقولان للشعب الفلسطيني بعدئذ، إن كان هذا الشعب يريد صيغة تمكنه من اخنيار من يحكمون؟ فالمسألة تبدو ككلام الحق الذي يُراد به باطل، وسيتفشى الإنطباع من جديد، أن كل طرف لا يريد أن يتزحزح عن سدة الحكم في المنطقة التي يحكمها.

وربما نجد من يقول إن عدد أصحاب الحق في الإقتراع، سيكون في كل الأحوال ناقصاً كثيراً عن عدد الذين يصوتون، حتى في أعلى نسب التصويت في كل انتخابات عامة في أي بلد.

وسيتعزز هذا الرأي بحكم كون الإنتخابات ستُجرى حسب القوائم التي يمكن أن تشمل مرشحين من كافة المناطق ومن بينها القدس. ولا علاقة للتصويت أو عدمه بمعركة الشعب الفلسطيني مع الإحتلال بشأن القدس.

فالنزاع جارٍ سواء صوت المقدسيون في قلب القدس أم لم يصوتوا. ثم إن لدى العدو فكرته المغايرة عن موضوع التصويت في القدس، لذا فمن المرجح أن يوافق عليه، أولاً لأنه لا ولن يسمح للمقدسيين بالمشارة في الإنتخابات الإسرائيلية وثانياً لأنه يريد إحالتهم الى الفضاء المؤسسي للكيان الفلسطيني الرازج تحت نير الإحتلال. فهم ثلاثمئة وخمسون ألفاً، يرفض ضمهم مثلما أعلن عن ضم مدينتهم!

اشتراط رئيس السلطة يظل ناقصاً طالما أنه لم يقل لشعبه، ما هو بديل الإستنكاف عن الإنتخابات إن لم تلب إسرائيل الشرط. هل البديل أن يظل الحال كما هو ويعيش الفلسطينيون تحت سلطات الأمر الواقع في الضفة وغزة، وتظل حيوية الشعب الفلسطيني وفرص نمائه وقوة حضوره مفتقدة في ظل هكذا سلطات عاف عليها الزمن؟. إن هذا هو ما لا تريده القوى والضالعة من الخارج في الشأن الفلسطيني، ومن بينها أطراف صديقة لطرفي الخصومة.

أما تعليل عباس لعدم إصداره مرسوم الإنتخابات، فهو لا يقوم على منطق. فقد جاء في تعليله أنه كمن يستشعر الحرج من إصدار مرسوم، قبل أن يضمن تصويت المقدسيين، بينما العكس هو الصحيح. فإصدار المرسوم يعزز قناعة كل الأطراف بأن الرجل قد حسم أمره، وسيكون الحرج لمن يعطلون، ومن بينهم إسرائيل نفسها التي تعرف أن الإنتخابات مطلوبة لها وفق اعتباراتها الخاصة.

إن مثل هذه المسائل لا تحتمل المناورة ولا الحجج المغلفة بالبديهيات الوطنية، طالما أن كل المعطيات والوقائع، تقول إن إجراء الإنتخابات بعد توفير مستلزماتها الدستورية بات أمراً مُلحاً.

___________________

م.ر