ذميمة الخِفّة في السياق الإردوغاني
تاريخ النشر : 17 ديسمبر, 2019 12:13 مساءً

فتح ميديا - غزة -

يملأ الضجيج الرسمي التركي في موضوع استهداف النائب الفلسطيني المُنتخب محمد دحلان؛ أرجاء الإقليم، وتتنوع الأسباب التي نعلمها وسبق ذكرها، وربما يكون هناك عاملان، يشكلان سبب صمت الطيف الفصائلي الفلسطيني على تُرّهات إردوغان. الأول، أن استهداف النظام التركي لنائب فلسطيني منتخب، يجري من خلال تصريحات لا تقوم على منطق، ومن شأنها أن تسقط من تلقاء نفسها كأوراق الخريف، والثاني أن صيغة الإستهداف لا تنال إلا من صاحبها لسخافة حُجْيّتها. فدحلان ليس معنياً بهز عرش إردوغان، لأن هذه مهمة الشعب التركي في حال وجد ما يحّفزه عليها!

على الرغم من ذلك، أصبح النائب الفلسطيني، أحد مصادر قلق الرئيس التركي، وأحد موضوعات التعبير عن توجهاته، بخفّة مذهلة، علماً بأن الرجل لا يزال يحكم بلداً كبيراً في الإقليم ويواجه مشكلات خطيرة في الداخل والخارج الأوروبي والمحيط الإقليمي ومضطر لأن يغفو ويستريح قليلاً في حضن الروس. فعند التمحيص لمعرفة ما هو الضائع لإردوغان عند محمد دحلان، لا نجد ما يستحق التوقف عنده من جنس الوقائع المادية، لكننا مع الإضطرار الى وضع الفرضيات الظنية لما يختزن في عقله الباطني؛ يمكن القول إن المسألة تتعلق بليبيا وثرواتها أو بجماعة "الإخوان" ومشروعهم في الإقليم. لكن المُحيّر هو معرفة السبب الذي جعل دحلان في ناظر أردوغان، قطب الرحى في أحداث هذا الإقليم وخيارات شعوبه، ولا نعلم بأي منطق يتجاهل إردوغان كل الرفض الرسمي والشعبي في العام لحكم "الجماعة" وكل الرفض الشعبي الليبي والعربي، لاستحواذه على شمالي سوريا وعلى الثروات المتوقعة فيه، والرفض العربي الشعبي للهيمنة على ليبيا ونفطها وغازها والثروات الكامنة في أعماق بحرها. ربما هي عِلة نفسية، جعلت الرجل يتوهم أن العائق الإستراتيجي هو دحلان، وما تبقى يسهل أمره. فلا الشعوب في حسبته لها رأي، ولا القوى السياسية والدول ذات أهمية. إن مثل هذه الهلوسة الذهنية، جعلت إردوغان يتوهم أن الأمور ستؤول اليه في حال تمكن من جعل دحلان طريداً. فعندئذٍ، يسهل أمر مصر والجزائر وتونس والسودان واليونان وربما روسيا وحفتر، باعتبار هذه القوى الوازنة كلها في الجوار وفي البحر، وعلى الأراضي الليبية نفسها، ليست إلا تفاصيل!

كأن أردوغان هذا، يُعيدنا الى زمن خلط الجِدِ بالهَزْل، عندما كان بعض حاكمي الشرق العربي والإسلامي على درجة طريفة من السذاجة. وفي الحقيقة كانت سذاجة بعض القدامى الراحلين الذين نعنيهم، عند التطلب، لا تخلو من النبل والبراءة. فعاهل ليبيا الراحل، إدريس السنوسي، على سبيل المثال، استقبل ذات يوم بعد حرب 1967 حسن صبري الخولي، موفد الرئيس جمال عبد الناصر، الذي طلب دعم الشقيقة ليبيا لإعادة بناء القوات المسلحة، فوافق الملك من فوره، لكنه طلب قبل التلبية، أن يستعيد من مشيخة الأزهر، مسبحة كان جده قد أودعها خزانة المشيخة. لكن اللقطة، برغم خلطها الجَدِ الكبير بالتمني الصغير في حجم مسبحة، لا تنم عن جشع ولؤم مثلما تدل تطلبات إردوغان من العرب وأوطانهم. فهذا الأخير يرى نفسه صاحب حق في التدخل في سوريا وتدبير عمليات تدميرها، والتدخل في ليبيا والطموح الى الإستحواذ عليها، والتآمر على مصر، والطموح الى إسقاط الدولة فيها. في الوقت نفسه لا يرى حقاً لأحد، في أن يعارض انتهاك الأراضي العربية والإستحواذ على ثراواتها ولا أن يعارض سياساته!

سخافة الإستهداف الإردوغاني لدحلان، انتقلت من طور النَزَق المثير للعجب والسخرية الى طور محاكاة الدول الرصينة صاحبة الخطط الإستراتيجية التي تعلن عن قائمة إرهابيين عابري حدود مطلوبين. وكأن الدول التي لديها قوائم، تخلط التنميط بالأفلام الهندية. في الطور الأول، كان هناك صيغة إعلان عن مكافأة لمن يُرشد عسس إردوغان، على دحلان ويساعد في القبض عليه، وكأن العسس التركي يفتش عن هارب ومختبيء. وبعدئذٍ، حدث التنقيح، من خلال الإعلان عن إدراج إسم دحلان في قائمة. ولو طلبت الجهات الدولية أسماء من تشملهم القائمة، لوجدت أن معظمها لشركاءٍ وأصدقاءٍ سابقين لإردوغان نفسه، وأن مكافحة الإرهاب ليست من اختصاصه لأنه متهم بممارسة العكس. والأنكى أن هذا الرجل، بدل أن يستشعر الخطر من تأسيس كل هذه العداءات في الداخل والخارج؛ يتوهم أنه يعتمد سياسة رابحة، علماً بأن الإنتخابات العامة الأخيرة في تركيا، أعطته درساً. فلم يكن سيظل في الحكم لو لم يأخذ معه حزباً علمانياً كمالياً أتاتوركياً، تتأفف جماعة "الإخوان" من خليفته الثقافية، ولو لم يركز منافسوه على هدف إسقاطة، وأهملوا طرح رؤية إقتصادية في برنامجهم الإنتخابي، بينما الأتراك متعلقون باقتصادهم. واليوم يكشف هذا التنَطْعُ الإردوغاني عن ذميمة الرعونة التي أعجزته عن قراءة المصالح الإستراتيجية لدول كبرى لدى البلدان المنتجة للطاقة، ولن تسمح له بالهيمنة على سوق ستكون مفتوحة للتعاقدات.

على الرغم من كل ما سبق، نجزم أن السياق الإردوغاني بخصوص دحلان، لن يؤخذ إلا كدليل ضعف، وسيجعله المؤرخ فيما بعد، فقرة للفكاهة، يكسر بها جمود سرده التاريخي!

__________________

م.ر