بقلم/ د. سفيان أبو زايدة
لقد تم تجاوز حقل الألغام مؤقتا دون انفجار شامل للوضع رغم استفزازات اليمين المتطرف في إسرائيل، سيما ما حدث من صدامات خلال اقتحام المستوطنين لباحات المسجد الأقصى، وكذلك الاصرار على مرور المسيرة من باب العامود، والحي الإسلامي وصولاً إلى حائط البراق بدلاً من دخولها من باب الخليل القريب من حائط البراق كمان كان يحدث في السنوات الماضية.
كان هناك تقديرات أن تكون هذه المسيرة الاستفزازية في أهدافها وخط سيرها ان تؤدي إلى انفجار الوضع، خاصة في غزة، كما حدث العام الماضي انتصارا للقدس والشيخ جراح حيث أطلقت حينها الصواريخ بكثافة ادخلت غزة في مواجهة استمرت ثلاث أسابيع.
جهود وساطة مكثفة نجحت في احتواء الوضع وعدم انزلاقه إلى مربع المواجهة حيث كانت الكثير من الأنظار متجهة نحو السماء في انتظار الصواريخ التي يتلوها سماع صافرات الإنذار، وأصوات الانفجارات، الطرفان الرئيسيان في هده المعادلة، فصائل المقاومة في غزة وإسرائيل، كلاهما تعامل مع الأمر بمنتهى الجدية مع اعلان حالة الاستنفار القصوى بكل ما يعني ذلك من استعدادات لحدوث مواجهة محتمله رغم حرص الاطراف علي عدم الذهاب الى هذا المربع سوي مكرهين.
اسرائيل ومنذ أكثر من اسبوع والطائرات بدون طيار(الزنانات) لم تفارق سماء غزة طوال النهار والليل مع تعزيز قوات على الحدود واعادة انتشار لبطاريات القبة الحديدية ترافقها تصريحات نارية من قبل القيادات العسكرية والسياسية بان الرد الاسرائيلي سيكون غير مسبوق في حال دخول غزة على خط المواجهة.
في غزة فصائل المقاومة اتخذت كل الاستعدادات اللازمة من اجل التعامل مع سيناريو العدوان، خاصة يوم أمس خلال المسيرة. الناس في غزة وفي غالبيتهم العظمى وعلى الرغم من تعاطفهم الشديد مع القدس واهلها واستعدادهم للتضحية من اجلها كانت تضع يدها على قلبها وتدعو الله ان لا تتورط غزة في حرب اخرى تعمق من جراحها التي لم تتعافى بعد من عدوان العام الماضي.
لقد تنفس اهل غزة الصعداء، وانا اولهم، عندما مر هذا اليوم دون الضغط على الزناد، حتى اولئك الذين يسخرون من عدم دخول غزة على خط التصعيد بينهم و بين انفسهم يقولون الحمد الله ان الامور عدت بسلام.بدون التقليل من شأن المقاومة في غزة والتهديدات التي أطلقتها من هناك والتي حُسب لها ألف حساب وتعاملت اسرائيل معها ومازالت بمنتهى الجدية، ودون المبالغة في هذه القدرات و تأثيرها الاستراتيجي على مجريات الصراع يجب الاخذ بعين الاعتبار ان غزة ليست قوة عظمى. غزة ليست كوريا الشمالية او روسيا او الصين، لذلك يجب عدم المبالغة في هذه القوة وتأثيرها، وثانيا المعركة حول القدس والمعركة مع الاحتلال لا تحسم في جولة قتال ولا تحسم خلال مسيرة الاعلام ولا تحسم من منطقة جغرافية واحده او بأسلوب كفاحي واحد.
القدس بكل ما تعنيه من اهميه لنا كفلسطينيين وعلى اهميتها في هذا الصراع الدائر على هذه الارض هي قضية كل الفلسطينيين وقضية كل العرب وقضية كل المسلمين والصراع حولها يحسم بالنقاط وبالتراكم ولا يحسم لا بضربة ولا بصاروخ ولا يحسم بعواطف.اسرائيل التي تمتلك القوة أكثر منا بكثير لم تستطع حسم الصراع على القدس بالضربة القاضية حتى بعد احتلالها عام ٦٧ وبعد ان اعلنتها عاصمة موحده وأبدية كما يقولون وبعد أن وسعت مساحتها الى عشرة اضعاف واحاطتها بسلسلة من المستوطنات وعزلت المدينة عن باقي المدن الفلسطينية من الشمال والجنوب وبعد ان اتخذت كل الاجراءات العنصرية من اجل تهجير سكانها ومع ذلك خذوا بعض المعلومات التي قد تفيد في فهم الصورة.
اولا: رغم كمل الاجراءات الاسرائيلية بحق اهل القدس الا انه ما زال يعيش ما يقارب ٣٥٠ ألف فلسطيني، اي حوالي ثلث السكان هم من الفلسطينيين.
ثانيا: رغم كل التحفيز الاسرائيلي والادعاء بتوحيد المدينة، شرقها وغربها، وهنا لا اتحدث عن شعفاط وعناتا وقلنديا والرام التي هي خارج جدار الفصل العنصري، ولا اتحدث عن الاحياء الفلسطينية خارج الاسوار مثل العيساوية و الشيخ جراح و الطور وصور باهر. اتحدث هنا عن البلدة القديمة وباب العامود والاحياء الفلسطينية داخل الاسوار، الغالبية العظمى من الاسرائيليين لم يكونوا في هذه الاماكن ولا يعرفونها.
ثالثا: الغالبية العظمى من اليهود المتدينين يلتزمون بقرار المرجعيات الدينية بعدم جواز الدخول الى باحات المسجد الاقصى ويعتبرن الدخول في هذا المكان هو من أكبر الكبائر حيث الاعتقاد ان هيكل النبي سليمان كان هناك وان قدس الاقداس وعظام سيدنا يوسف مدفونة هناك، وبما انه غير معروف بالضبط اين مدفونة حسب اعتقادهم، لذلك حرام شرعا تدنيس هذا المكان. فقط قله قليلة من المستوطنين واليمين المتطرف لأسباب قومية أكثر منها دينية هم الذين يقتحمون الاقصى ويدنسون هذا المكان.
رابعا: رغم الاجراءات الاسرائيلية في القدس و التعامل معها على انها العاصمة الابدية ورغم كل المحفزات الاقتصادية لتطويرها و تشجيع الاستيطان في احياءها، على الرغم من ذلك ما زالت القدس متخلفة اقتصاديا بالمقارنة مع المدن الاسرائيلية الكبرى، لذلك يحاولون ليل نهار القول بأنها عاصمتهم الموحدة و الابدية و التي ستبقى موحده .
على اية حال ، الصراع حول القدس سيتواصل في الايام و الاسابيع و الاشهر و السنوات المقبلة. و الصراع هنا على الرواية و على الايمان الديني و على الحجارة و على عدد السكان و على الهوية و هو صراع غير منفصل عن القضية الفلسطينية ككل، وبالتالي حسم هذا الصراع لن يكون بمعزل عن حسم الصراع على الدولة و الهوية الفلسطينية.
الخلاصة، ادارة هذا الصراع تحتاج الى ارادة و عقل و قوة و وحدة موقف و اعادة بناء للنظام السياسي الفلسطيني و لا يحتاج الى عواطف و شعارات كبيرة و مبالغة بالقوة احيانا او التسخيف من القدرات في احيانا كثيره خاصة من باب المناكفات السياسية.
من اجل حسم الصراع على القدس ولكي نحقق اهدافنا الوطنية نحن بحاجة الى وحدة موقف و ووحدة حال و وحدة نظام سياسي، نحن باختصار بحاجة الى خارطة طريق جديدة تراكم على ما تم تحقيقه من انجازات وتتخلص من كل السلبيات والمعوقات التي تثقل علينا المسير.
كتب سفيان أبو زايدة: مسيرة الأعلام والتصعيد الذي ما كان
تاريخ النشر : 30 مايو, 2022 04:49 صباحاً