صراع العملات .. الروبل والدولار 
تاريخ النشر : 30 مارس, 2022 12:31 مساءً

كتب: ماجد ابودية

لا يكفي أن تكون عميق أمنياً أو واسع المدارك سياسياً،  بل يجب أن تقرأ واقعك اقتصاديا بدقة وتدير سياساته باحتراف حتى تجنب بلدك الركود والتضخم، هذا ما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي فجر قنبلة اقتصادية في وجه الغرب لمواجهة العقوبات، و قرر في خطوة مفاجئة أثارت استغراب المحللين والمراقبين بيع النفط والغاز لأوروبا والدول غير الصديقة فقط بالروبل الروسي أو عملة البتكوين، في إطار رده على العقوبات التي فرضت على بلده، وقرار الرئيس الأميركي جو بايدن بحظر واردات النفط والغاز من روسيا، فأمريكا لا تعتمد كثيرا على النفط والغاز الروسي، لا يزيد استهلاكها عن 4% من إجمالي صادرات الطاقة الروسية  بخلاف دول الاتحاد الأوروبي وخاصة ألمانيا التي تستحوذ على حوالي 49% .

إنها حرب جديدة ضد الدولار، وحصانة جديدة للروبل الذي تأثر منخفضا وفقد ربع قيمته بسبب العقوبات الغربية منذ اندلاع الحرب ضد أوكرانيا في الرابع والعشرين من نوفمبر هذا العام.

إنها محرك هام لقوى الطلب والعرض على العملات، فروسيا تكبدت خسائر جراء دفع قيمة وارداتها باليورو والدولار، بأسعار صرف منخفضة مقابل الروبل الروسي، وبدأ يتراجع احتياطها من العملات الصعبة، خاصة  بعد أن فرضت الدول الغربية عقوبات مشددة على موسكو وجمدت حوالي 300 مليار دولار من الاحتياطي الروسي الموجود في الخارج، فكيف ستعالج هذا الموقف...؟

فقط بإجبار دول الضد بشراء صادراتها (النفط والغاز) بالروبل الروسي، وبذلك يزيد الطلب على الروبل ويتحسن سعر الصرف مرتفعا، وتتدفق من جديد عملات اليورو والدولار إلى خزانة البنك المركزي الروسي. 

كما أن موسكو رفعت شعار "بترو بتكوين" بدلا من "بترو دولار"، مما أدى لارتفاع قيمة العملة المشفرة الأشهر عالميا، لتتجاوز 48 ألف دولار، حيث تعد روسيا ثالث أكبر دولة في تعدين العملات المشفرة بالعالم بعد كل من الولايات المتحدة وكازاخستان، وتقدر معاملات الروس بالعملات المشفرة بنحو 5 مليارات دولار سنويا، بحسب البنك المركزي الروسي.

روسيا تمتلك حجما ضخما من احتياطيات النفط في العالم،  تكفيها لمدة 30 عاما على الأقل، أما احتياطيات الغاز فتكفي لمدة 50 عاما، وهذا ما يساعدها على الاستمرار في تنفيذ خطتها وزيادة الضغط على دول الضد.

ووضعت روسيا حداً للدولارات التي يمكن للمقيمين سحبها من الحسابات المصرفية، بعد انسحاب مئات الشركات الأجنبية العملاقة من اقتصادها، و منعت البنوك من بيع العملات الأجنبية للعملاء خلال الأشهر الستة المقبلة، وحددت السحب بحد أقصى عشرة الاف دولار للمقيمين الروس.

مجموعة الدول السبع وقفت عاجزة أمام سياسة روسيا الجديدة، واعتبرت على لسان وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابك أنها سياسة غير مقبولة، واكتفت بالطلب من الشركات عدم الاستجابة للمطلب الروسي، لكن قيصر روسيا قال لهم لا يوجد نفط وغاز روسي بالمجان بعد اليوم.

توازنات جديدة بين أقطاب الصراع، خلقتها الحاجة الماسة التي تحولت إلى أدوات ضغط ترسم معالم السياسات الاقتصادية.