كتب عدلي صادق لبرنامج همزة وصل على قناة الكوفية
ما تزال أصداء الحرب في أوكرانيا، على مستوى الغرب والولايات المتحدة، في محمولاتها الأساسية، تركز على حقوق الإنسان والسيادة ومبدأ الرفض الحاسم للاستيلاء على أراضي الغير، وعلى شجب التنكر للقرارات الأممية وللرأي العام الدولي. ومع كل جملة، من هذا السياق في الدفاع عن أوكرانيا وإعلان النفير ضد الحملة العسكرية الروسية؛ يتذكر كل المعنيين بالعدالة وبالمباديء المزعومة نفسها، انتهاك إسرائيل لكل قيمة قانونية وأخلاقية، دون أن تلقى عبارة زجرية واحدة، من الغرب، ودونما موقف جِدي على مر العقود، مهما كانت فظاعة الانتهاك.
بدا واضحاً من خلال ردود فعل الغرب، على الحملة الروسية، أن هناك خشية من أن تتمادى روسيا في التوسع وفي فرض شروطها على آخرين من جوارها. لكن هذا التخوف لا ينشأ على قواعد مبدئية تنطبق على كل الحالات، وإنما تظل التغطية مخصصة حصرياً للأقطار المنخرطة أو الراغبة في الانخراط في حلف شمال الأطلسي، والتي تفتح أراضيها واقتصاداتها للنفوذ الرأسمالي والأمني، للكبار في القارة الأوروبية وللولايات المتحدة.
نحن هنا بصدد القياس لا بصدد تبرير الحرب. ومن بين ما يستحث هذا القياس، أن التحالف مع الولايات المتحدة ومع الغرب، عندما يكون خياراً عربياً، وحتى التعاون العربي مع إسرائيل نفسها؛ لا ينتج عنه موقف حازم من الغرب ضد الانتهاكات الإسرائيلية بحق شعب عربي.
اليوم، تتباكى الولايات المتحدة، وبريطانيا والاتحاد الأوروبي وإسرائيل، على شعب أوكرانيا، ويثابر الغرب على قطع صلة روسيا مع العالم، على الرغم من كون هذه الأطراف نفسها، صاحبة تاريخ طويل، من جنس العمل الذي يقوم به الروس، في حملتهم الراهنة على أوكرانيا.
ولعل من بين ما يدعو الى السخرية، تلك العناوين التي تتحدث عن وحدة أراضي شعب أوكرانيا، وعن حقه في السيادة. فهؤلاء لا يلتفتون لاحتمالات سماع أية أسئلة، مثل: لماذا لا تطبقون هذه المباديء نفسها على فلسطين والفلسطينيين؟ أو لماذا يُستطاب موقف روسيا وإسرائيل، عندما تتفقان على التعاون الأمني والميداني في سوريا، على الرغم من تعارضهما في الكثير من المواقف في السياسة الدولية؟ وأين عندئذٍ سيادة الشعب السوري على أرضه، وحقه الديموقراطي في اختيار من يحكمونه، وأين احترام الوحدة التمامية لأراضيه، التي يحتلها أمريكيون وروس وإيرانيون ووكلاء شياطين اخترعتهم كل هذه القوى وأسمتهم الدواعش؟!
هذا الرياء الغربي، وهذا الجبروت السابق تاريخياً على الجبروت الروسي، هو الذي يجعل التعاطف النبيل، الذي يصدر عن محبي السلام والإنسانية، مخصصاً في هذه الحرب، لشعبي أوكرانيا وروسيا، ولذوي الضحايا الأبرياء من الجانبين، وحتى للجنود الذين دُفعوا الى أتون الحرب، واحترقت أجسادهم على الطرقات، مهاجمين أو مدافعين.
وحيال الرياء الغربي، يتوجب السؤال مرة أخرى: ألا يحق لشعب فلسطين ـ مثلاً ـ التمتع بوحدة أراضيه بعد إحرازها، ونيل سيادته، وضمان أمنه بوقف الغارات الإسرائيلية اليومية المسلحة، لتحقيق هدف شديد الفظاظة، وهو إدامة الاحتلال العسكري ونهب الأرض وزرع المستوطنين، والتكتم الأيديولوجي على حدود الدولة الصهيونية، لفتح المجال أمام توسعها المستمر، بقوة السلاح وبدعم المتباكين على أوكرانيا؟
إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب. بل إن من بين أهداف كل حرب جديدة، طمس حقائق قديمة. فمصالح الغرب الاستراتيجية، في دعم أوكرانيا، لا تقل عن مصالح روسيا الاستراتيجية في الهجوم عليها. وليس مبعث موقف الغرب الداعم لأوكرانيا، هو المشاعر الإنسانية النبيلة حيال شعب أوروبي. فالموقف استراتيجي بحت، وليس فيه عاطفة، ومن بين محاذيره، التصدي لسابقة الغزو نفسها، لكي لا تتكرر تحت عناوين بعضها له مسوّغاته التاريخية، كأن تحذو الصين، حذو حليفتها موسكو، لاسترجاع جزيرة تايوان التي كانت وما تزال صينية. وبالمناسبة، شهدت منطقة تايوان مع بدء الحشد الروسي على حدود أوكرانيا؛ تدافع أسراب من الطائرات الصينية المقاتلة، إلى المجال الجوي التايواني.
إن للشعب الفلسطيني كل الحق، في التساؤل عن سبب امتناع قادة الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، عن فرض عقوبات على إسرائيل لعدم امتثالها لأي قرار أممي أو لعدم الكف عن العدوان اليومي على الشعب الفلسطيني، علماً بأن قادة الغرب، أو معظمهم، ظلوا لعقود، يعبرون عن رفضهم للاستيطان الصهيوني ولسياسة حكومات إسرائيل المتطرفة. لذا، من العوار وانكشاف الرياء، أن الذين يطالبون بإجراءات مشددة وانتقامية ضد موسكو إذا استمرت في غزوها لأوكرانيا، لا يعارضون السلوك الإمبريالي في حقيقته وطبيعته، وإنما يتوخون مصالحهم في مناطق النفوذ. ذلك علماً بأن التغطية النظرية للحملة الروسية على أوكرانيا، فيها شيء من التاريخ وشيء من الاجتماع والانثروبولوجيا، بينما ليس هناك تغطية نظرية للانتهاكات الإسرائيلية ما خلا الأساطير الممزوجة بأكاذيب فضحها أبناء المزورين أنفسهم.
هؤلاء، الذين يغضون الطَرْف عن استمرار إسرائيل في سرقة الأراضي الفلسطينية، وعن هجماتها العسكرية التي تقتل الأطفال، وعن تماديها في ممارسات الفصل العنصري، إنما يدافعون عن مصالحهم مثلما شَنَت روسيا حملتها دفاعاً عن مصالحها. فكل شيء يمكن أن يقال، في توصيف لحظة الحرب، ما عدا المباديء.
مقال: ذروة الحرب وذروة الرياء
تاريخ النشر : 27 فبراير, 2022 12:39 مساءً