كتب: عدلي صادق لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"
يتساءل جنرال إسرائيلي متقاعد، يرى نفسه باحثاً في تاريخ الشرق الأوسط: ماذا تبقى من حركة فتح، لكي تحتفل بذكرى الإنطلاقة؟! ويقدم الرجل جواباً مشروحاً، ملخصه أن لا شيء قد تبقى، لا عرب ولا عالم ولا حتى مجتمع فلسطيني ولا جموعاً من الشباب الغاضب!
هذا الجنرال، إما غبي أو متغابٍ، والإحتمال الثاني هو الأرجح، لأنه معنيٌ أولاً وأخيراً، بتغذية الشعور الفلسطيني بالإحباط، والإسهام مع شواهد كثيرة راهنة، موضوعية وذاتية فلسطينية؛ تحاول تغذية مشاعر اليأس، والإحساس القاتل بالعدم وباللا جدوى.
يمكن تذكير الجنرال بما تبقى، وهو كثير. وأول عناوين التذكير، هو ظاهرة الشبان الغاضبين، الذين تتعاظم مبادراتهم الفردية في الدفاع عن النفس والتكاثر في سياق المقاومة بعيداً عن فصائلها، ويلجأ بعضهم الى وسائل الطعن والدهس، التي ترمز الى أقصى درجات الكراهية للاحتلال. فهؤلاء يحسمون أمرهم، ويحددون وجهتهم على النقيض مما يقوله هذا الجنرال بأن الجيل الجديد من الشباب، لا يكترث لوقائع العدوان والإحتلال، ويطمح الى مجرد العيش الآمن، في ظل إسرائيل التي يزعم أنها إنسانية ورقيقة وتنال الرضا العربي. ولا ينتقص من هذه الحقيقة، اضطرار الشبان الى التدفق في اتجاه سوق العمل. أما ثاني عناوين التذكير، هو أن كلامه عن فتح والحركة الوطنية الفلسطينية والمقاومة بالوسائل المتاحة؛ مردود عليه، وأغلب الظن أن مخابرات إسرائيل على دراية بإحصاءات الفئات الشبابية المنخرطة في الحركات والفصائل والأحزاب الوطنية الفلسطينية. وليس صحيحاً أن الشباب عازف عن السياسة وعن الخط الوطني، ومن السفاهة القول إن الذين يحتفلون بذكرى الإنطلاقة مأجورون. أما قوله إن العالم العربي قد تغير، وأن الشعوب حادت عن قناعاتها الأولى بشأن فلسطين واحتلالها العسكري لوطنٍ وشعب، فهذا توصيف مجتزأ لواقع السياسة راهناً. ففي هذه المحاججة، يحاول الجنرال الإسرائيلي التركيز على سطوح الأوضاع الفلسطينية والعربية، متجاهلاً أعماقها، وهذا نوع من التشبث بالرهان على العابر والإستثناني والسطحي وعلى الديماغوجيا الكاذبة.
لعل أول ما يدحض فرضية الرضوخ للإحتلال، هو سلوك هذا الإحتلال نفسه، الذي يضرب في كل لحظة، الحقوق والكرامة الإنسانية ومنطق السياسة والإجماع الأممي، ويحض حتى المعتدلين واللا مبالين، على مناصبته عداءً أعمق. فلا شيء يمكن أن يساعد على تجميل هذا الإحتلال، لا في ناظر الشعوب العربية ولا في ناظر أمم العالم، التي باتت إسرائيل في ناظرها، دولة مكروهة بامتياز، لا سيما وأن الممسكين بمقاليد الأمور في إسرائيل، لا يعترفون بحاجة إسرائيل الماسة الى تسوية، ولو بقليل من التوازن، وحاجتهم أيضاً الى قيام دولة فلسطين على الأراضي المحتلة في العام 1967، قبل أن تتحول هذه الدولة إلى مرحلة ما قبل سقوط دولة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فهؤلاء يتأبطون كل أشرار المشروع الإقصائي الشامل والمستحيل، وما علاقاتهم العربية التي يفاخرون بها إلا أحد الأسباب الموضوعية التي تجعل الإقصاء مستحيلاً بتهجير السكان، ومستحيلاً بتغليظ وسائل القهر، ومستحيلاً في سياق السياسات الرقيعة التي تتعاطى كل شيء، وما عدا جوهر الموضوع!
معنى ذلك أن الإحتلال هو المُحرض الأول على التحاق الأجيال بالحركة الوطنية، ولم يتبق سوى أن تدحرج حركة فتح الصخرة عن باب كهفها وأن تخرج، وهذه بالمعيار التاريخي مسألة وقت. فطالما بقي الإحتلال، ستظل ردود أفعاله قائمة ولافتة. ثم إن ردود الأفعال في كل موضع، تتخذ أشكالاً مختلفة، منها الإجتماعي والسياسي والقانوني في أراضي احتلال 1948 حيث يناضل الفلسطينيون من أجل دولة لكل مواطنيها، ويطرحون صيغة نضالهم وموضوعاتها، بمفردات متحضرة متطابقة مع مفردات القانون والدساتير والنظم السياسية في أرقى الديموقراطيات في العالم. أما الذي يطرحه الحاكمون في إسرائيل، فهو من ثقافة الهمج المتخلفين الذين يعيشون في الأدغال.
صحيح إننا خسرنا الكثير، منذ أن بدأ سياق أوسلو المخادعة. كان صانعو أوسلو، من الجانب الإسرائيلي، يطمحون الى رؤية فلسطينيين جُدد، ينامون ويقومون على الأوهام، ويعزفون عن المقاومة. وماذا كانت النتيجة؟ فلسطينيون راهنون، متشبثون بالحرية مثلما كان أسلافهم، ويعرفون المحتلين أكثر مما كان يعرفهم الأسلاف، وجاهزون للبذل حتى الموت، وهذه هي الحقيقة التي يحاول الجنرال تجاهلها.
عندما يحتفل الشباب الوطنيون الفتحاويون، بذكرى الإنطلاقة، يطيّرون الرسائل في اتجاهات عدة: يؤكدون على الحنين الى الصيغة الأولى، ويدحضون بحماستهم للذكرى، كل مفردات ومسارات الفئة الضحلة الخائبة التي تنتحل دور القيادة، ويؤكدون للجوار وللعالم بأنهم يلتزمون أهداف حركتهم الوطنية، مدركين أن الشعب الذي يعيش على أرضه، لن يحيد عن طلب الإستقلال والحرية، وأن خطابهم هو خطاب الحقيقة والسلام، والإصرار على رفض الخديعة، وهو خطاب اليقين بأن شعب فلسطين لن يتخلى عن أرضه ولن يندثر. لذا إن من تبقى.. كثير.
كتب..عدلي صادق: ما تبقى ..كثير
تاريخ النشر : 31 ديسمبر, 2021 10:12 صباحاً