كتب عدلي صادق: وفد غزة في رام الله
تاريخ النشر : 22 ديسمبر, 2021 06:55 صباحاً

بقلم: عدلي صادق

  تلقى فتحاويو غزة، دعوة كريمة من رئيس الحركة، للاجتماع به في رام الله، والتحادث معه في الشؤون التي تقضُ مضاجعهم وتجعلهم في وزن الريشة. والدعوة يراها الداعي عين العقل، لأن ما لا تتيحه الأطر، ولا الوثيقة الدستورية، ولا مؤسسات السلطة؛ تضمنه الدعوات المناطقية، التي توفر المناسبة للتأكيد على أن غزة جزء اصيل من فلسطين، وكأن أحداً يقول إنها جزء من بلغاريا!
   يتجنى كل من ينكر على هذا الرئيس حنكته وسلامة بوصلته، وليس أدل على ذلك من إصراره على تكرار الإعراب عن عطشه للوحدة الوطنية، ولحكومة وفاق، شرط أن تبصم حماس على شروط الرباعية الدولية، وكأن المستوطنين المهووسين، ومعهم جيشهم المساند المجحفل، وافقوا وبصموا على شروط الرباعية، ما دعا حكومتهم بدورها، الى الاشتراط على الأحزاب المشاركة فيها، بأن توافق وتبصم.  فاللغة التي نسمعها من حكومة إسرائيل ومستوطنيها، لا يحتملها حتى الأمريكيون، بل يتنامى رفضها بين اليهود الأمريكيين. لكن عباس ما يزال يلعب بالكلام الفارغ، ويثرثر كأنما  العقدة التي تمنع وحدة الفلسطينيين، بينما الدنيا في الضفة تقوم غضباً ولا تقعد؛ هي في كون حماس لا توافق على شروط "الرباعية"!
  للأسف، إن هذه الذريعة تتساخف، لأن عباس أصبح فيها مثل مدعى الفضل والكرم، عندما يقول للجائع ها هي الأرغفة، لا تأكل منا الصحيح ولا تأكل المقسوم، وكل حتى تشبع، بينما هدفه الحقيقي ألا يتاح للجائع خُبزاً!
  يتوهم أنه يلعب بأقصى درجات الذكاء وفن الحكم ودهاء السياسة. لذلك دعا الى الاجتماع، جوقة من لجنته المركزية، وركز على المتحَّدرين من غزة، لكي يروا ويسمعوا ويتعلموا فنون المراوغة،  ومعهم عنصر الإعلام الذي سيزف البُشرى. فالغزاويون ـ حسب التعبير الدارج ـ جاءوا يحملون أكوام الشكاوى والمطالب المحقة، وربما يظن الساذجون منهم أن التلبية البهيجة تتحقق على الفور أو في الأمد القريب، شرط أن تبصم حماس على شروط الرباعية، قبل أن تكسر رغيفاً، وإن لم تبصم فعلى الوفد الذي لا ناقة له ولا بعير في شرط عباس، أن يعود بِخُفَيْ حُنَيْن!
  في موازاة هذا السياق العقيم، تتصاعد ثورة المجتمع الفلسطيني في الضفة، بإيقاع فردي، وينتفض الأسرى في السجون، ويطفر الشباب الى البحر، وتنام عشرات ألوف الأسر في غزة بلا عشاء، وتفرض معادلة الهجرة أو الموت، نفسها على جزء معتبر من الشباب، بجريرة شروط "الرباعية" وكأن عباس، عاشق هذه الشروط تلقى من إسرائيل جواباً، سارعت بعده الى جعل الموافقة على الشروط، شرطاً للانضمام الى حكومتها الوفاقية. كل ذلك، والرجل ما يزال يتوهم أنه محنك، ويؤدي دوراً باهراً!
  وفد غزة العثماني، الذي قطع المسافة من مكانه النائي في شمالي بلغاريا،  لكي يلتقي السلطان في الباب العالي؛ سيعود بمُكرمة قوامها الإعتراف بأن غزة جزء أصيل من "الدولة" الفلسطينية، وذلك في الدوافع النفسية، ناجم عن الرغبة في دحض ما تدل عليه الممارسة اليومية من اللإقصاء والحرمان والتهميش. ويركز عباس في كل مناسبة، أن لا دولة بغير غزة، ولا دولة في غزة، لكنه في منهجية الحكم يفعل كل ما يؤدي الى اللا دولة واللا نظام. ثم أين هي الدولة الفلسطينية، لكي تكون غزة جزءاً أصيلاً منها. إن كل ما لدينا هو وحدة وجدانية  تؤدي فيها غزة دوراً، كجزء أصيل من قوة الدفع الوطنية والاجتماعية، التي تتساوق مع المقاومة الجارية عند تقاطعات الطرق، ومداخل المخيمات، وشوارع المدن وفي السجون.
  بضاعة المحنك ليست إلا من جنس الهواء المسموم، ومن ذا الذي يُمسك بيديه أي هواء نقي لكي يمسك هواء مسموماً؟! فالإخوة والأخوات الذين سافروا الى رام الله، محمّلين بأطنان التشكيات والهموم، لن يعودوا بشيء سوى الكلام. وربما يحدث معهم ما حدث ذات يوم بعد انتهاء ذات مناسبة، عندما دارت على الفنادق،  السيدة المكلفة بالشؤون الإدارية، لكي تقول للنزلاء القادمين من غزة ما معناهلا إن الحافلات تنتظركم في الخارج لكي تعودوا، فقد انتهت الاستضافة! 
  المشكلات التي يحملها الإخوة "الغزاويون" لا تُناقش ولا تُحسم،  بدون تكريس النظام إن كانت تنظيمية، ووجود المؤسسات الدستورية إن كانت اجتماعية، وبانعقاد المجلس الوطني الكامل وبشكل دوري، إن كانت سياسية، وعودة المجلس التشريعي الى الحياة إن كانت إدارية. وللأسف، كل هذة الركائز لا وجود لها. فالموجود، هو حكم استبدادي فاسد وبلا مؤسسات، وبائع كلام لا يُرجى منه شيء، ما اقتضى الإصرار على التغيير الذي ليس منه بُد، شاء عباس ومعاونوه أم أبوا. فبالتغيير المنشود، عبر الوسائل الديموقراطية؛ نتحاشى الفوضى والانفجار. ولن يتسطيع طرف شطب أي طرف آخر، ولا أن يلعب دوراً سياسياً مركزياً، بغير بُنية الحكم الديموقراطي، ولا يستطيع الحاكمون في غزة عمل دولة أو الإستمرار في الحكم بلا دولة. والدولة مقررة حدودها وفق صيغة التسوية، ولا حل سواها ما يستدعي ترميم وإصلاح آلة العمل السياسي لإحرازها، لأن البديل الآخر هو تضافر العالم للإجهاز على القضية الفلسطينية. فلا يبيعن لنا هذا الحكم بضاعة "الرباعية" ولا أكذوبة المصالح العُليا، لأن فرصة للحفاظ على المصالح العليا، لا تكون بإدامة الإنقسام، وبتغييب المؤسسات وبدون وضع حد للمارسات الدُنيا, وطي مرحلتها السوداء.