كتب عدلي صادق:
إصدار وزير العمل اللبناني، قراره رفع حظر العمل، عن الفلسطيني في بلاده؛ معناه أن ما استُغلق على الفلسطيني قد انفتح بعد سبعين سنة من الإغلاق، علماً بأن سوق العمل نفسه الذي انفتح، واقتصاد البلاد، قد أصبح للأسف، في حُكم المُغلق، ودون جدوى التشغيل.
لنا أن نتأمل بشراً يعيشون في بلد، وتتوالى أجيالهم عبر العقود، وهم ممنوعون من العمل، وأين؟ في بلد شقيق، ولولا سايكس بيكو والجنرال هنري غورو، وإدموند اللنبي والصهيونية؛ لكان ما يزال جزءاً من الوطن نفسه، الذي تُعد فلسطين جزءاً منه، وضمن حدوده التمامية، وهي التي كانت مقصداً للأشقاء اللبنانيين، الذين عاشوا في فلسطين، وعملوا وتعلموا فيها، وكان من بين نُخبتهم الثقافية من انخرطوا في الحركة الوطنية الفلسطينية وكانوا جزءاً منها!
المُعطى اللبناني، المتعلق بحظر العمل حتى على الطبيب الفلسطيني والصيدلاني والمهندس والعاملين في سبعين مهنة؛ شكل لا يليق إلا بأصحابه، في بلد رُسمت حدوده بقلم استعماري، لتكريس المحاذير بين الطوائف، وتحسس كل طيف من طموحات الآخر، وممارسة الإقصاء والمحاصصة المذهبية، بينما البلد أصلاً، بحكم ضيق مساحته وضآلة ثرواته، في أمس الحاجة الى قوة العمل، لكي يرد عن نفسه غائلة الضائقة الإقتصادية. بل إن أحد العناصر التي ظلت تاريخياً، ضمانة لبنان، لأن يتنفس وينتعش، هو انفتاحه على الآفاق، ووفود الناس من كل الآفاق اليه، للاصطياف أو لممارسة السياسة والإعلام، أو الإفلات من قبضة استبدادية. وللأسف، كلما أراد الأشقاء اللبنانيين، التذكير بأعز رهاناتهم الإقتصادية والإجتماعية ورؤيتهم لما يسمى "التوازن" السكاني، تسمعهم يتحدثون عن "لبنان الآخر" وهو مجموع اللبنانيين الذين لجأوا الى بلدان الفرص، حتى الإفريقية منها، ورفدوا أهاليهم بمقومات الحياة والبناء والبحبوحة. بالتالي يُعد اللبنانوين، من أعرف الناس بقيمة أن يتحرك الإنسان لكي يعمل، وقيمة أن ترحب الشعوب الأخرى، والحكومات، بمن يَفدُ اليها من اللبنانيين، وبقيمة أن يحصل اللبناني على جنسية بلد الهجرة!
غير أن لأمر الحظر، جوانب أخرى لا يُلام اللبنانيون وحدهم عليها. فقد ظل إقصاء الأجيال الفلسطينية عن سوق العمل اللبنانية؛ أحد براهين العجز وعماء الألوان، لدى المنظمات الإقليمية والأطر السياسية والنقابية العربية، واللاعبين على مسرح السياسة منزوعة الأبعاد الإجتماعية والإقتصادية الحقيقية والفعالة، التي تتحسس العُرى الوثقى، وموجبات التكامل، بين أبناء الأمة الواحدة.
إشكالية الفلسطيني في ناظر الدولة، إنبثقت عن جملة المحاذير نفسها، التي تحكم علاقة التجاور بين الأطياف على أرض واحدة، وكُل منها مغلق على ثقافته وهواجسه وطموحاته. لكن ما ينافي كل منطق، ويدخل في اللا معقول، هو أن يظل وضع الفلسطيني لسبعين سنة، كوضع العابر لساعات، عندما يتوقف في محطات السفر، ولا يجوز انخراطه في سوق العمل وأنساق الرزق. وكلما جرى أي تسخين في السياسة الداخلية، يتحدث بعضهم عن التوطين، فيضطر الفلسطيني نفسه الى التأكيد المرة تلو الأخرى، أن فكرة التوطين استعمارية بحتة وإحدى الوسائل المُضمرة لتصفية قضيته الوطنية.
من الطبيعي أن يكون لبنان عزيزاً على كل عربي، والفلسطينيون في طليعة العرب على هذا المستوى من المشاعر. فما يؤلم لبنان، يؤلم الفلسطينيين، وما يُريح لبنان يُريحهم، بل إن مقتضيات الحكمة التي يحتاج اليها الراغبون في استقرار لبنان، وفي التسوية وما يُسمى "السلام"، أن تنفتح الآفاق في لبنان أمام الفلسطيني لأن يعمل، وإتاحة الفرص للناشئة الفلسطينيين لأن يتعلموا ويعملوا ويرتبوا أحلامهم الحضارية صورة صورة، بدل الإنخراط في أنساق أخرى لا يجدون أمامهم سواها.
نرحب بالقرار اللبناني المتأخر لسبعين سنة، مهما كانت صعوبة المرحلة. ولعلها مناسبة لإعادة التأكيد على أن فلسطين هي وطن الفلسطينين، وأن من يعمل منهم في لبنان، كمن يعمل في السعودية وغيرها، وأن استعادة لبنان عافيته، لن تتحقق بغير إزاحة المحاذير وانفتاح الإنسان على الإنسان، بمعايير المصالح والتساكن ووتعزيز اللُحمة.
عدلي صادق لبرنامج "همزة وصل": فُرِجَت بعد سبعين سنة
تاريخ النشر : 09 ديسمبر, 2021 11:31 صباحاً