كتب عدلي صادق: مهمة صعبة في الجزائر
تاريخ النشر : 06 ديسمبر, 2021 06:24 صباحاً
الكاتب عدلي صادق

بقلم: عدلي صادق
  نقول ابتداءً، إن العلاقات الفلسطينية الجزائرية، هي من أعز وأثمن العلاقات قاطبةً. فهي غير مجروحة ولا تعتريها غضاضة مسكوتٌ عنها أو معلنة، وبالتالي نتمنى لرئيس السلطة محمود عباس أن ينخرط فيها باهتمام، وعلى هذا المستوى دون سواه، وأن يكون التوفيق النادر، حليفاً لفخامته. 
  لكن أغلب الظن ـ وبدون معلومات ـ أن زيارة عباس الرسمية الى الجزائر، قد جاءت بطلب منه، وأن الجزائريين بقبولهم توجيه الدعوة، يريدون الإستماع لما سيطرح بخصوص الخلاف مع المغرب، مقدرين أن الرجل يبحث له عن دور، على أن تندرج الزيارة ـ شكلاً ـ في سياق اتصالاتهم بخصوص قمة عربية مزمعة في بلادهم، تقرر انعقادها في مارس من السنة الجديدة. 
  إن لم يكن سبب الزيارة هو محاولة الوساطة، فما الذي سيفعله رئيس السلطة في الجزائر؟ لنأخذ الإحتمالات واحداً واحداً. فالرجل ذو ميول تاريخية للحكم في المغرب، وهو عازفٌ تاريخياً أيضاً عن الجزائر. وفي السياسة تعتمد الجزائر خطاباً فلسطينياً يطابق مواقف الوطنيين الفلسطينيين والإسلاميين، التي هي على الطرف النقيض من مواقف عباس أو منهجية حكم سلطته. وبحكم ثقافة الجزائريين أو مألوف لغتهم لا بأس لدى النظام السياسي من ظهور الميل الى الإخضرار وإلى اللغة "الجهادية". فمن يفعل غير ذلك في الجزائر، يطالة الهدير الشعبي المضاد. وقد كان ذلك الملمح لافتاً على مدرجات ملاعب الكرة في المسابقات الجارية الآن في قطر. ثم إن الحلقة الجزائرية من "الجماعة" نفسها، كانت وما تزال حاذقة وصبورة وأكثر وعياً بكثير، من حلقات المشرق العربي، ولم يكن من بين خياراتها في أي مرحلة، الإصطدام مع الحكم، أو ممارسة العنف الأهلي، وإنما العمل في ظل الدولة العميقة، بما تيسر من هوامش الحركة على مستوى البُعد الإجتماعي للسياسة. وقد أصبح ذلك من تقاليدها، بفضل المرحوم المحنك محفوظ نحناح الذي لم يعرف الرعونة طوال حياته. بالتالي فإن الثوابت الفلسطينية هي إحدى عوامل الثوابت الأمنية الجزائرية، كما هي إحدى وسائل الممارسة السياسية في الإقليم، وفي القارة السوداء، وفي العالمين العربي والإسلامي. 
  الأمور المتصلة بالعلاقات الجزائرية المغربية وصلت الى مستوى غير مسبوق في الخطورة، منذ ما يسمى "حرب الرمال" بين البلدين في أكتوبر 1963 التي توقفت من خلال وساطة جامعة الدول العربية، وكان لمصر دور طليعي في وقفها، وفي تحريك منظمة الوحدة الإفريقية التي انجزت اتفاقية التعايش الموقعة في جمهورية مالي، وإبعاد شبح الحرب الحدودية. ففي تلك المرة كان سبب الحرب ـ لكي تكون الأمور واضحة ـ أن الحكم في المغرب، أراد أن يقتطع مساحات شاسعة من أراضي الجزائر، بعد سنة واحدة من استقلالها، وضم صحارى ولايتي تندوف وبشار، وكان ذلك مستحيلاً بالنسبة للجزائريين، ودونه الموت الزؤام. 
  وعند النظر في احتمال أن يكون عباس، راغباً في طلب دعم مالي لخزينة السلطة؛ سيكون هذا الأمر مستبعداً للأسباب نفسها التي جعلت المساعدات الأوروبية تتعثر، لا سيما وأن سجون الجزائر تعج الآن بالنزلاء من شرائح الفساد وسوء استخدام السلطة والحلقات الإقتصادية العائلية والطفيلية. 
  وبالطبع، ليس من بين رغبات عباس، استعادة الزخم في برامج التدريب العسكري للفلسطينيين في الجزائر، وهي برامج لم تكن تستثني تخصصاً ضمن تنوع التخصصات القتالية، من المشاة الى البحرية والطيران. وهذا منحى غير وارد بالنسبة لرجل لا يطيق فكرة الدفاع عن النفس.
  مع رجحان احتمال أن يكون الرجل يرغب في دور وساطة، تطوعاً أو بالإيعاز، وأن رهانه يقتصر على علاقة الوداد التي تجمعه مع الحكم في المغرب؛ فإن مهمته صعبة للغاية، ليس بسبب كون الجفاء والخلاف قديم ومنذ النزاع الحدودي في سنة 1963 وأن ذيوله ظلت حاضرة، إن لم تجسدها مشكلة الصحراء الغربية و"البولبيساريو"؛ تتكفل السياسات الإقليمية والقارية بشرحها. ويزداد هذا التوقع في حال النظر الى الزخم ذي الطابع الأمني الذي تشهده الآن العلاقات المغربية الإسرائيلية. فإن كان اسم فلسطين، شقيقةً أو وسيطة أو طالبة عون، يلقى الترحاب في الجزائر؛ فإن الحكاية في موضوع نزاع من العيار الثقيل، لا يخوض فيها، ولا يستطيع الإبحار، رجل تفنن في تخليق النزاعات رأسياً وأفقياً في بلاده، أي في فلسطين نفسها التي تلهج قلوب الجزائريين بالمحبة لها والتأسي على أحوالها. لا موجب للزيادة أكثر، ولعل الرجل ينحج في تخفيف التوتر بشفاعة فلسطين لا بشفاعته.