كتب عدلي صادق: جيش الكوبيتسات
تاريخ النشر : 05 ديسمبر, 2021 09:25 صباحاً

كتب: عدلي صادق لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"

  يكاد لا يمر أسبوع، دون أن يقتل جيش الإحتلال شاباً فلسطينياً. وبحسبة أعداد الشهداء الضحايا، نكون في مواجهة مجزرة أو أرجوحة موت أقامها فاشيون. وكلما فاض منسوب الغضب، في نفس شاب من مجتمع الضحايا، وتدبّر لنفسه طريقة بدائية لتسجيل ردة فعل فردية؛ يكون مجرد وجود الوسيلة البدائية أو وقوع المحاولة، أكثر من كاف لجيش الإحتلال لكي ينفذ عملية إعدام فورية!

  منذ الإعلان عن تأسيس الجيش الإسرائيلي، في مايو 1948 كانت العقيدة القتالية تُجيز القتل السريع ولأبسط الأسباب، وبل أسباب أيضاً، بهدف تكريس حال الرعب أو الإقتناع بأن نتيجة مواجهة العربدة الصهيونية هو الموت، وأن لم تكن هناك مواجهة، يكون القتل لمجرد التذكير بأن الموت حاضر. ولكي يثبت بن غوريون أن قوات الهاغناه ـ قبل تأسيس الجيش من خلال جمع وتوحيد سائر العصابات المسلحة ـ أن القتل بلا تردد، هو منهجية الدولة المُعلنة، فقد تعمد في أواخر يونيو من تلك السنة، إستهداف حتى اليهود الأكثر تشدداً على النحو الذي يتهدد وحدة الوسيلة الصهيونية الحربية، في جسم عسكري واحد تحت قيادة واحدة. وروعي منذ البداية أن يكون من بين قواعد عمل هذا الجيش الإستهتار بأرواح الآخرين. فعندما اشترت منظمة "إيتسل" الإرهابية سفينة "تلينا" لنقل المهاجرين وإفراغ السلاح في ناتانيا، وكان مناحيم بيغن على متنها، ورفض إنذار التسليم خلال عشر دقائق، في يونيو 1948؛ تلقت السفينة قذائف المدفعية فأشتعلت فيها النيران وأُغرقت، وقفز منها بيغن. كذلك في حرب العام 1967 جاءت سفينة التجسس الأمريكية "ليبرتي" الى البحر المتوسط، لكي تراقب مجريات الحرب، فهاجمتها إسرائيل قبالة العريش، من الجو وبقوارب الطوربيد، وقتلت 34 ضابطاً وبحاراً أمريكياً، وأصابت نحو مئتين، وزعمت أن الحادث كان عن طريق الخطأ، بينما أكد البحارة الناجون، أن إسرائيل تكذب، إذ سبق الهجوم تحليق لعدة مرات على علو منخفض وجرى خلاله التحقق من هوية السفينة والبحارة، وكان هدف الجريمة منع الأمريكيين من تقييد حركة الجيش الإسرائيلي في اتجاه الشرق. 

   جيش الإحتلال، هو مؤسسة مستوطنين. ففي تاريخ هذه المؤسسة، منذ بن غورويون، كانت حتى وزارة ما يسمى "الدفاع" محض إطار بيروقراطي يخدم الجيش ويؤمن له إمدادات السلاح والموازنات، وليس لطرف سلطة عليه ولا على خططه وتوجهاته، بخلاف القادة العسكريين. لذا كان بن غوريون حريصاً على الجمع بين رئاسة الحكومة ووزارة الدفاع، وتوكيل تابعه موشي دايان برئاسة الأركان، وفتاهُ ـ آنذاك ـ شمعون بيرس بالإدارة العامة للوزارة وتنسيق الإمدادات. 

  كانت استنتاجات مؤسس الجيش، بعد المعارك الأولى، تدل على أن القوات الإسرائيلية التي تقتل بلا تردد، إستيطانية المنشأ. وأصبح بن غوريون بعد عدوان 1956 أكثر قناعة بأن النسبة الأعلى من القادة العسكريين في تلك الحرب، جاءت من الكيبوتسات، وتلك هي التي ارتكبت المجازر المروعة التي راح ضحيتها الأبرياء في سنة 1956. وكيبوتسات اليوم، في الضفة، تشكل الإمتداد الطبيعي لحال التساند بين المستوطن والجندي، وكلاهما مذعوران ذعر اللصوص والمجرمين الهاربين. وبعد حرب 1967 قال بن غوريون نفسه الذي أصبح خارج السلطة، إن قناعته ازدادت بأن المستوطنات التي لم يكن سكانها يشكلون أكثر من 4% من اليهود في فلسطين، أمدت إسرائيل بــ 23 % من الضباط الذين قاتلوا بشراسة وقتلوا وجٌرحوا. 

  لعل من بين أهم مفارقات ترويج الأكذوبة الصهيونية المديدة، أن الجيش الذي يمارس الإرهاب يومياً، ويتهم الآخرين بالإرهاب، وتطاوعه أمريكا ومعظم أوروبا، بأعلى درجات الرياءً وهم يعرفون الحقيقة؛ يلعب الدور نفسه حتى الآن، بالتكامل مع التوسع الإستيطاني في القدس والضفة. ففي كل أسبوع تقريباً، يُقتل شاب فلسطيني أو أكثر، لمجرد الإشتباه بأنه سيهاجم، وفي أحيان كثيرة، دون أي اشتباه حقيقي. وتمر كل جريمة مرور الكرام، في ظل حال فلسطينية رديئة يقوم عليها فاسدون وفاقدو مروءة، غير مستعدين لشيء يتجاوز تصريحات أدنى من مستوى مواء القطط، بالتوازي مع زئير قبضتهم الأمنية الموجهة الى الشعب. 

  جيش الكيبوتسات، سيظل يطلق النار، وزئير الضالين سيظل يضرب في المجتمع. إن الهجوم يتفاقم من الجانب الإحتلالي المدجج بالسلاح، ومن جانب السلطة التي تتغول وترى الفوضى والبلطجة عند الإحتفاء بأسير خارج، وليس في القتل الممنهج لشباب في مقتبل أعمارهم، برصاص عدو ظلامي لا يكف عن القتل. والأنكى أن إسرائيل بهذا السلوك تتمدد في الإقليم، وتتلقى باقات الزهور وتُستقبل وفودها بفرق الطبل والمزمار!