كتب..عدلي صادق: توخياً للنقاش الموضوعي
تاريخ النشر : 21 نوفمبر, 2021 07:02 صباحاً

كتب: عدلي صادق  لبرنامج "همزة وصل" على شاشة "الكوفية"

يُحسب لصالح حماس، أنها في داخلها، إعتمدت منهجية الإنتخابات الحقيقية لا الصورية، التي تُجرى كل أربع سنوات، وأن هذه الإنتخابات شهدت "منافسة حميدة" حسب ما جاء في لقاء أجرته التلفزة مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، الذي قال مفاخراً إن الذي جرى "يؤكد على  حيوية الحركة وقدرتها على استيعاب التطورات والتغييرات".
  من هذه الجملة الأخيرة، عن استيعاب التغييرات والتطورات، يمكن أن يتأسس نقاش موضوعي، يبدأ بالسؤال عن عناوين التغييرات والتطورات التي استوعبتها الحركة، وعن كيفية استيعابها، لأن المقصود بها غير واضح، لا سيما وأن الرجل طرح خمسة ثوابت لخمس أولويات، احتوت مسألة المنهجية برُّمتها.
 إن ما يوجب النقاش، هو أمر يتعلق بالصياغة، لأن تحديد السياسات يتطلب عبارات تلائمها. ففي الثابت الأول، هناك تأكيد على أن حماس تحافظ على القضية الفلسطينية، وهي عازمة على "عدم التفريط بأي من حقوق شعبنا، وفي مقدمتها حق العودة، وإقامة الدولة وعاصمتها القدس، وتحرير الأسرى". وننوه هنا، إلى أن تعبير "عدم التفريط بأي من حقوق شعبنا" يلّمح إلى كون هذه الحقوق، تقتصر على ما يؤمل الحصول عليه، في إطار فرضية الدولة الفلسطينية، بينما التعبير نفسه، له معنى آخر في الأيديولوجيا، لأنه يعني فلسطين كلها، وليس محض الدولة بأقل من ربع الحقوق. فإن كان من الخطأ الإعتراض على مسعى إحراز الدولة، وفق الوقائع الموضوعية، فلسنا مضطرين لشطب المُدركات الجغرافية والتاريخية كلها من خلال مثل هذه الإيحاءات التعبيرية. ثم لا موجب لاستخدام فعل التفريط، لأن الجيل الفلسطيني الحالي لا يستحوذ على شيء لكي يُفرّط به، بينما السعي الى دولة فلسطينية مستقلة، بأقل من ربع الحقوق، مُنجز ليس بعده ما هو أبدع منه، في هذه المرحلة من التاريخ!
  لا اعتراض من حيث المبدأ، على القول، في الثابت الثاني، بأن "تعظيم قوة المقاومة في غزة، وفي الضفة الفلسطينية، للنهوض بالعمل المقاوم باعتبار الضفة في حال احتكاك مباشر يتعلق بالقدس والجدار والاستيطان". لكن هذا الثابت، يحتاج إلى شرح، لأن المقاومة في حد ذاتها، تتطلب برنامجاً يتحدد فيه شكلها وآلياتها وشروطها، وأولها الشروط الإجتماعية. ويمكن القول اجتهاداً، أننا في السياسة، نحتاج دائماً الى الدقة في التعبير. فحين يُقال إن شعبنا جزءٌ من خارطة الإشتباك، فهذا كلام تعبوي، فيه محاولة تجويد على مستوى التعبير المجازي. ثم إن الشعب ليس جزءاً من خارطة الإشتباك وحسب، وإنما هو كل الخارطة، لأنه المستهدف الحصري فيها، ولم يتبق سوى أن نعرف وجهة نظر الحركة الكبيرة، في كيفة ومتطلبات أداء دورنا في مثل هذا الإشتباك وعلى هذه الخارطة.
  في الثابت الثالث، المتعلق باستعادة وحدة الشعب الفلسطيني وإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الفلسطينية؛ هناك تكرار لأجمل الكلام. لكن وسائل وخطط إحراز هذا الثابت الحميد، منصوص عليها في نحو خمس اتفاقات موقعة على  مر 15 سنة، لذا نجد أنفسنا مضطرين الى القول، بأن هذا البند ينبغي أن يكون في مقدمة الأولويات والثوابت، وليس ثالثها، وأن تتغير صيغة التعبير عنه، في ضوْء فشل طرفي الخصومة في التنفيذ، لكي يُقال بعد مؤتمر حمساوي إنتخابي، إن المصالحة ووحدة الطيف السياسي والكيانية الوطنية وتصفير الإنقسام، تتطلب الشروع فوراً في تنفيذ اتفاق 4 مايو 2011 التفصيلي ـ على سبيل المثال ـ والذهاب الى انتخابات عامة، ودعوة قوى صديقة محايدة، لتحديد المسؤولية عن الفشل. 
  كذلك فإن الثابت الرابع في أولويات حماس، وهو ذو ملمح إيجابي، يُذكّر بضرورة بناء تحالفات سياسية، وتوسيع دائرة علاقاتنا السياسية مع محيطنا العربي والإسلامي، على قاعدة الانفتاح على الجميع. لكن هذا الملمح الإيجابي، لا يكفي لبناء تحالفات مع محيطنا الإقليمي، لأن هذا المحيط يتحالف بشروطه وعلى مشتركات معنا، ولم يكن ينتظر انفتاحاً لكي يرتبط معنا في تحالفات. فللتحالفات متطلباتها ومضامينها، وأولها غلبة ورجحان المشتركات على التعارضات.
  رئيس مكتب حماس السياسي، يختم بالثابت الخامس من الأولويات، ويتحدث عن "مد جسور العلاقات مع المجتمع الدولي، والاستفادة من الحركات العالمية، والتغيرات المهمة، الطارئة على مواقف الشعوب الغربية، تجاه الاحتلال، كما طرأ في معركة سيف القدس". لكن بناء الجسور مع المجتمع الدولي، لا يتحقق بغير بالعاطفة أو التعاطف. فالأمر يحتاج إلى مصارحة أكثر، لأن مواقف الشعوب في الغرب، تنتقد سلوك إسرائيل وغطرستها، لكنها لا تتأخر في التعبير ـ بدرجات متفاوتة ـ إما عن حرصها على أمن إسرائيل، أو تأييدها لــ "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" وهذه حقيقة موضوعية للأسف. 
  وفق هذه الإعتبارات، ينبغي أن تصاغ السياسة وتتحدد الأولويات. ثم إن هناك ملاحظة على حديث رئيس مكتب حماس السياسي، تتعلق بمسألة الحكم، إذ يقول إن حركته لا تريد االتفرد، وأنها تسعى لحكومة شراكة. وهذا حديث يصلح بعد أن تقول الصناديق كلمتها لصالح المتحدث وشريكه المبتغى، وهي التي تأذن لهما بتأسيس الشراكة، لا أن يمنح أي طرف نفسه، الحق في تحديد شكل الحكومة، قبل أن تُعرف كلمة الصناديق، ويمنحنا البشارة بأنه لا يرغب في التفرد. فمن يحظى بثقة الشعب، لا يتفرد، وإنما يمارس التكليف بعد تفويضه، إن مثل هذا القول، يحمل مظنة الإصرار على البقاء في الحكم مهما كانت النتائج!
  بخلاف ذلك، كان حديث الرجل، عن المصالحة إيجابياً في التقييم العام، غير أن السياسة بطبيعتها متطلبة، وما على الخائضين فيها إلا أن يدركوا ذلك، وأن يُحددوا وجهتهم، لأن هذا هو شرط التأهل للسياسة ولمخاطبة الإقليم والعالم!