بقلم: عدلي صادق
لدينا اليوم العديد من التقديرات المتطابقة، بخصوص الموقف المالي للسلطة الفلسطينية، ذلك فضلاً عن تصريحات المسؤولين أنفسهم من هذه السلطة، وقد وصلت تقديراتهم مؤخراً إلى الحديث عن إنهيار وشيك، وعن كون السلطة لم تواجه مثل هذه الضائقة منذ نشأتها!
يُقال إن الأوروبيين قطعوا مساعداتهم للخزينة الفلسطينية، فلم تتلق السلطة في هذه السنة أي مساعدات منهم، وإن تخفيضاً كبيراً حدث على مستوى مساعدات الدول العربية والولايات المتحدة. هنا، يمكن القول بسهولة، إن كلهم مذنبون أو مقصرون. لكن العقلية المتحجرة، الغارقة في العناد والبذخ السفيه، لا تؤهل القائمين على السلطة، للتفكير بموضوعية، في الأسباب، وكأن الموضوع السياسي هو السبب، بينما رئيس السلطة يتوسل المفاوضات، والأمريكيون ينتقدون المبالغة الإسرائيلية في الغطرسة والتطرف وفي التوسع الإستيطاني، ولا سبب سياسياً تُعاقب عليه قيادة السلطة، سوى السبب الداخلي الذي ستظل تنكره وتنفي وجوده وتكابر أو تتبحج!
لا حاجة لشرح المشروح، إذ يمكن الإكتفاء بالنتائج. فالأسعار آخذة في الارتفاع، والدخل الإجتماعي إما راكد أو مشطوب، ولا يوجد عمل للعاطلين، وقد أرهقت الضرائب الناس في الضفة وغزة، وتتعالى الصيحات بأن على السلطة أن تعيش في حدود إمكانياتها، وبدأ عصيان الدائنين وامتناعهم عن تقديم المزيد من الخدمات التي لا تُعطى بالمجان، ولا يستمر تقديمها بالدين الآجل الذي يتراكم. والبنوك لن تظل مستعدة للإقراض، بينما تنهمر مراسيم عباس بترقيات الموظفين التي تتأسس عليها أعباء مالية. فكأن الدنيا في وادٍ، وصاحب المراسيم في وادٍ آخر.
ولكي يزداد العقل انغلاقاً، يبادر مقربون من حلقة عباس الضيقة، الى إنكار تصريحات أوروبية عن الفساد، ويتشاطروت بالحديث عن أصدقاء لا تصدر منهم تصريحات تنتقد السلطة، وكأن المسائل شخصية، أو كأن أهل الإنكار، محسوبون من الشخصيات الزاهدة المتواضعة التي تثير إعجاب الأوروبيين فلا يفكرون في إزعاجها بكلمة. كأنما العمل العام، هو لعب بالثلاث ورقات، أو نوع من التعاطي العاطفي، الذي تجوز معه المحاباة ومحاولات الترضية. فالأوربيون لهم برلماناتهم التي تحاسبهم على جدوى المساعدات التي يقدمونها لدول وكيانات متعثرة.
يقول المحامي المقدسي معين عودة، المتخصص في حقوق الإنسان والقانون الدولي "إن قضية الفساد أصبحت خطيرة للغاية حتى بالنسبة لمجتمع المانحين، وما ردود أفعال بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية على تصريح السيدة آن ليندي، وزيرة خارجية السويد إلا دليلاً جديداً على أن المسؤولون يعيشون في جهل"، وفي الحقيقة هم يعيشون في تجاهل، ويحاولون كسب الوقت، للمزيد من الإغتراف من أية مقدرات مالية متاحة، أو أن يعيشوا حياتهم بالنمط الباذخ نفسه!
منذ تأسيسها، تلقت السلطة المليارات فوق المليارات. فماذا فعلت بها بالمعني الإجتماعي والتنموي التنموي؟ هل أنجزت مشروعاً في الخدمات الطبية، نستغني به عن نزف أكلاف التحويلات الى الخارج وتراكم الديون للمشافي؟ هل جلبت شبكة السلك الديبلوماسي، التي هي أوسع انتشاراً من شبكة إسرائيل، مشروعاً واحداً للتشغيل والإستثمار، بينما دول حتى في أوروبا، تعيش على مشروعات استثمارية؟ هل أسست السلطة محطة بنزين ومعها بقالة ومغسلة سيارات، لكي تدر مالاً يكفي بلدية؟ فأين ذهبت المليارات التي اندفعت بعدها الى إرهاق المواطن بالضرائب؟
اليوم، أصبحت وقائع الفساد معلومة لدول العالم، بينما رئيس السلطة يتوهم أن خطاباً شاكياً، يقرأه، يمكن أن يصرف النظر عن حقيقة تنصله من أي خطوة إصلاحية، أو حتى تنصله من واجب التفكير في هذه الوجهة.
لم تعد المسألة قابلة للإنكار، لا سيما بعد أن أصدر مكتب الرقابة المالية والإدارية بالسلطة الفلسطينية نفسها، تقريراً يؤكد على الإنتشار السرطاني للفساد في جسم السلطة، ولم يسلم منه حتى مشروع خيري لصالح الفقراء، بتمويل إجتماعي، إذ اغترف منه ميسورون فاسدون.
عند رد المسائل الى أصلها السياسي، نعود فنقول، إن غياب مؤسسة الرقابة والتشريع، وتنحية الإرادة الشعبية جانباً، وتعليق الوثيقة الدستورية، وانفلات القبضة الأمنية، والتفرد الذي لا يعرف الصواب في قراراته وغير ذلك من أشكال التردي، هي التي أوصلت الشعب الى حال القنوط وانتظار انكشاف الغُمة، وأوصلت السلطة الى حافة الإنهيار.
كتب عدلي صادق لبرنامج "همزة وصل":عند حافة الإنهيار
تاريخ النشر : 30 اكتوبر, 2021 04:17 صباحاً