بقلم: عدلي صادق
مثلما لم يكن هناك داعٍ للتشكيك أو المزاودة؛ ليس هناك داعياً للإحباط أو للإفراط في التأسي. فحكاية الأسرى الستة الذين حرروا أنفسهم، بدأت وانتهت، داخل معادلات الواقع الإحتلالي العام. والأبطال الذين أعُيد أسرهم، سجلوا إنجازهم الكبير وهو كسر القيد من داخل السجن الحديدي. ففي منطق المعايير القاعدية لمعاينة الظواهر، يُقاس كل شيء حسب معياره. فالمئذنة قصيرة جداً إن ارتفعت لمترين، والإنسان طويل جداً إن ارتفع مترين، لأن معيار الأولى غير معيار الثاني. وفي قياس المعايير، كان لدينا طرف، حفر نفقاً في الزنزانة، خلال نحو سنة، حيثما يستحيل الحفر والتكتم عليه، واستطاع الخروج من السجن المحاط بحراسته المشددة، وبينما المحيط كله ضد هذا الطرف، ينجح الأسرى في الخروج والتحرك. أما الطرف الآخر الذي يمثله الإحتلال صاحب السجن والزنزانة والقوتين النظامية والأمنية، فقد انتشر لكي يتمكن من إلقاء القبض على الفارين الذين كانوا وحدهم، يتحركون في مناطق سيطرته، ثم يتحقق للمحتلين ذلك، لكن إنجازهم يظل صغيراً بالنسبة لعددهم وقوتهم وحراساتهم وجواسيسهم، ويظل إنجاز الأسرى كبيراً حين يُقاس بعددهم الصغير وإمكانياتهم شبه المعدومة على كل صعيد!
كان العمل الباهر، بطبيعته، لطمة قوية لغطرسة الطرف القوي المدجج ومنظومته الأمنية. وقد جاء القبض على من استطاعوا الخروج، من تحصيل الحاصل، ليس بحكم معطيات الأمر الواقع وحسب، وإنما كذلك بحكم تواضع التقديرات المتعلقة بما يمكن أن يفعله الأسرى بعد خروجهم. كان هدف الشباب، هو أن يظلوا طلقاء داخل معادلات الإحتلال.
أثر اللطمة التي تلقتها إسرائيل ومنظومتها الأمنية بما فيها منظومة السجون؛ هو الذي جعل المحققين يتجاوزون بفظاظة عن قواعد عمل المحقق عندما يكون هدفه الحصول على المعلومة. فقد تصرف المحققون بغضب المجروحين في غطرستهم، ولجأوا الى الضرب المبرّح، على النحو الذي لا يبرره البحث عن المعلومة. كأنما هم بالتعذيب، يريدون رد اعتبارهم الذي لن يُرد، لذا فإنهم كانوا في ذلك صغاراً يحاولون الثأر لكرامتهم المهدورة. ففي الدول التي توافرت على قوة مادية ومعنوية راسخة، ولديها تقاليد عسكرية رصينة، يُعامل البطل الأسير، بعد أن يؤدي عمله الميداني بشجاعة واقتدار؛ بكل الإحترام وتؤخذ منه المعلومة بدون التنكيل به. فليس أسهل على من قام بعمل مبهر، من أن يروي حكايته حتى للصحافة، طالما أنه لا يكشف أسرار آخرين!
وصول اثنين من أولئك الأسرى الأبطال، الى جنين الباسلة، رسم معادلة أخرى، تجوز معها حسبة الربح والخسارة، طالما أن المجروحين في غطرستهم مستعدون لارتكاب مجزرة في مخيم جنين. وهنا لا يجوز التهكم على الطرف الفلسطيني من جانب فلسطينيين قاعدين. فقد كان بمقدور الأسيرين، الذهاب الى "المقاطعة" واللجوء الى العنوان الرسمي الذي يقول إنه يحمل مشروعاً وطنياً، وعندئذٍ سيكون التهكم على أصوله، حين يُعاد تسليم الأسيرين على قاعدة الإعتبارات والحسابات الموضوعية!
بينما يطوي الفلسطينيون الحكاية، دون أن يتبقى منها سوى فعل الحفر والخروج من السجن، يعود الناس الى النظر ملياً في ظاهرة السجن الكبير الذي يفرضه احتلال غاشم، مدجج بالسلاح، على الشعب في الضفة وغزة. والأوجب، أن ينظر هذا الشعب، والنُخب السياسية، في كيفية إنهاء هذا الإحتلال، بكل وسائل المقاومة المتاحة، ومن بينها استجماع الإرادة الكُلّية، واستعادة قوة الورقة السياسية الفلسطينية، بل واستعادة الولاء الشعبي الذي خسرته النخب السياسية، لكي يُعاد بناء الحركة الوطنية المقنعة، التي تحترم الرأي العام وتكفل الحريات الأساسية، وتطرح أمام العالم أنموذج النظام والمجتمع والأداء الذي يستحث إعجاب العالم، وفي المقدمة منه المساندون للقضية العادلة.
لم تكن مهمة الأسرى الذين أعيد أسرهم، تلبية احتياجات شعب فلسطين وحركته الوطنية. فقد أدى هؤلاء ما عليهم بإسهامهم المعنوي الباهر، في تعلية الإحساس بعناصر القوة الكامنة في المجتمع، وبقدرة المقاومين على أن يفعلوا ما هو فوق قدراتهم. أما الذي تبقى، لكي تُلبى احتياحات الحركة الوطنية، فهو كثير، وللأسف ما تزال النخب المعنية بالمثابرة عليه، عاجزة عن القيام به، وهو في نطاق قدرتها، لكنها تجلب البؤس والهوان، لنفسها بنفسها!
كتب عدلي صادق: لا موجب للمبالغة في التأسي
تاريخ النشر : 19 سبتمبر, 2021 06:16 صباحاً