كتب عدلي صادق لبرنامج همزة وصل ..
تكررت مراراً، بين فترات متباعدة، وقائع فرار أو محاولات فرار مناضلي فلسطين من سجون المحتلين. وفي تلك الوقائع، كان العنصر الفلسطيني، في كل مرة، يسجل لصالحه وفي تاريخه، نقطة رمزية ناصعة، فيها تكثيف لإرادة الأسير وعشقه للحرية. كان حمزة يونس قد فر مرتين، وحاول زياد النخالة وطلال طراد محيسن، الفرار عبر نفق طويل، إذ حفروا في الصخر، وكانوا قاب قوسين أو أدنى من الفرار، لولا أن الأنفاق تعددت بالتوازي، فاكتُشف السجانون إحداها فانكشفت الأخرى.
ومن قلعة السرايا، حيث كراديس الجنود المدججين، فرت مجموعة يتقدمها حافظ القرآن الكريم الشهيد مصباح الصوري، ومعه محمد الجمل وعماد الصفطاوي وخالد صالح وآخرين. وكان لأولئك الفتية الشجعان تأثيرهم في المخاض الذي سبق الإنتفاضة الأولى. وتعددت أيضاً المحاولات التي تعكس حيوية مؤكدة لفكرة مزدوجة، قوامها عشق الحرية والإستعداد للتضحية من جديد، وهذه هي الفكرة ذاتها، الي تراود كل أسير، وتدل بما لا يحتمل الشك، على أن الفلسطيني حبيس الزنازين، لا ييأس ولا تنطفيء جذوة روحه، مهما بلغ المحتلون من وفرة القوة والسلاح ومن التوغل.
لكن الحرية التي كان ينشدها الذين فروا أو حاولوا؛ كانت دائماً ذات مواصفات خاصة. فمن يكسرون القيد، لا يذهبون الى نزهة، أو الى بيوتهم، لكي يعيشوا حياة طبيعية. فهم يعلمون أن الفرار ليس إلا الخطوة الأولى، التي تتبعها خطوات وتحديات، ربما أقسى من السجن بمعايير الجهد والخطر، فهم يخوضون في معترك صعب ومعقد، فيه العدو المرئي والعدو المستتر. وفي كل موضع، يمكن أن تقع المفاجأة، وأن يقتصر الإنجاز، على حقيقة البسالة وعلو الهمة، ثم الإرتقاء الى عليّين. وهذه كلفة تهيأ لبذلها الميامين، الذين تركوا للأجيال إرثاً تفاخر به وتدحض القنوط!
من بين الدلالات الكثيرة، على استحقاق المناضلين الذين فروا، أكاليل غارٍ تكلل الرؤوس كالتيجان؛ أن غطرسة المحتلين الذين استأنسوا بأسباب القوة المادية؛ ظلت تقابلها على مر المراحل، عزيمة الفلسطيني ورسوخ قناعاته بكل مُدركات قضيته. وهذا ما يتحاشى المحتلون قراءته سياسياً، على الرغم من أهمية القراءة وضرورتها. فهؤلاء الأوغاد، يتوهمون أنهم بالقهر، وبالتسلح حتى النواجذ، وبتواطؤ الأمريكيين وبحثالات العسس الضالة؛ يمكن أن ينعقد لهم التاريخ وأن يحبطوا سُنن الحياة، التي لم تترك باغياً يبغي الى الأبد، ولا شعباً مظلوماً، خانعاً على مدى الأبد، ولا احتلالاً بالقوة الغاشمة، مستمراً الى أجلٍ بعيد.
الشباب الذين فروا من سجنٍ جلبوع، الموصوفٍ بأنه صنوْ الخزنة الحديدية، فازوا في مباراة الذكاء والمكاسرة بين فكرتين وإرادتين، دون أن يؤثر سلباً في عقولهم، الهوان المتفشي، أو الغباء الذي تُدار به السياسة وتؤخد الخيارات. ففي الأصل والمبتدأ، يظل لدى الطرف الأضعف، بمعايير الجحافل، ما يؤلم به الطرف القوى ويربك حساباته ويحقنه بالقلق الوجودي من جديد، جُرعة بعد أخرى. فها هو القناص المسلح ببندقية صيد الأرواح البشرية، الذس يُطلق الرصاص من وراء درع وجدار، يُفاجأ بمن يصل الى عينه، ويمد بطاقته النارية، كأنما هو يسحب دراهمه من الصراف الآلي. وفي الوقائع الأخرى، هذا هو الفتى الذي لا يستأذن أحداً، عندما يفيض غضبه ويضرب. إن من يتجاهلون مغزى هذه الوقائع، ظلاميون لا يُرجي لهم بصر، ولا تُرجى بصيرة.
أغلب الظن وكل المرتجى، أن الذين حفَّزتهم فكرة وجود الثغرات في كل حصن منيع، وثابروا على الحفر في الصخر؛ أدركوا قبل البدء، أن مسالك الحركة ومكامن التخفي، تتطلب أكثر مما حرص عليه الأسبقون الذين ارتقوا في معاركهم الأخيرة، وكان لهم العناق الأزلي، مع تراب الأرض المباركة.
تهفو قلوب شعب فلسطين، الى الشباب الذين فروا، وتختصهم بكل أدعية النجاة والشدائد.
عدلي صادق لبرنامج همزة وصل .. "الفرار من غيهب السجن"
تاريخ النشر : 06 سبتمبر, 2021 08:14 صباحاً