إجتماع عباس ـ غانتس وبشائره
تاريخ النشر : 31 اغسطس, 2021 08:39 صباحاً

كتب: عدلي صادق

ليس هناك معنى، لاجتماع عباس وغانتس، سوى أن قيادة السلطة، اختارت المُضي  في تحويل القضية الفلسطينية الى مسألة أمنية، لا تتطلب سوى إجراءات محسوبة ومجتزأة لخلق انطباعات عن سلوك المحتلين، لا تتبعها طبائع، علماً بأن  هذه الإجراءات ظلت تلازم سلوك الإحتلال، طوال سنوات تواجده حتى العام 2000. فملفات إعادة شمل العائلات كان يتولاها الصليب الأحمر الدولي منذ العام 1968 والغالبية العظمى من الحالات التي جرى تنفيذها، كانت في سنوات ما قبل أوسلو، ثم بشفاعتها، عندما بدأت تطبيقات أوسلو الأمنية.

في ختام اجتماع عباس مع وزير حرب الإحتلال الذي لا يتقبل فكرة التسوية،  قال الأخير إن إسرائيل عرضت على عباس قرضاً بقيمة 500 مليون شيكل، سيتم اقتطاعها من أموال الضرائب التي حجبتها إسرائيل عن السلطة الفلسطينية احتجاجًا على ما تسميه تل أبيب سياسة  "الدفع مقابل القتل". وهذا هو التعريف الإسرائيلي لعملية صرف الرواتب  لأسر الشهداء والأسرى. والأعجب، بل الأوقح، أن المحتلين عندما يعرضون مجرد قرض، يُقتطع من أموال فلسطينية، يسمون ذلك من إشارات حُسن النية. فهم يقرضون عباس من أموال شعبه، ويتحدثون باعتبارهم الكرماء.

لنتفحص تصريحات رئيس الحكومة ووزير الحرب، قبل اجتماع عباس بالأخير، لنتبين جوهر المقاصد. فرئيس الحكومة نفتالي بينيت، يؤكد على أنه لا يفكر ولا يخطط لمباحثات سلام مع الفلسطينيين. ومصادر مقربة منه ومن غانتس تقول: "هذا الإجتماع تناول القضايا اليومية المشتركة بين المؤسسة الأمنية والسلطة الفلسطينية، ولا توجد عملية دبلوماسية مع الفلسطينيين ولن تكون هناك". 

  إن دلت هذه الحقيقة على شيء، فإنها تدل على التحول الفعلي والعلني  في مسار قيادة السلطة، الى وضعية الإدارة المدنية. وهنا تصبح فصائل الإستنكار، أمام واقع يحتم عليها أن تفتش لنفسها عن سياق عمل جديد، يثابر على استعادة منظمة التحرير الفلسطينية من المجموعة الصغيرة التي تمسك بها وتتحدث عن فرضية الدولة المعلنة، وتتصرف بمقدرات المجتمع، وتختطف المسؤوليات السياسية.

ففي غزة، ما تزال فصائل منظمة التحرير، تخشى ردود أفعال عباس ولا تجرؤ حتى على اللقاء العلني مع "فتح" ممثلة بتيارها الإصلاحي، في إقرار ضمني، بأن الذاهبين الى مشروع الإدارة المدنية، هم الذين يمثلون حركة التحرر الوطني الفلسطينية، وهم الذين يقررون بخصوص منظمة التحرير، بمجلسها الوطني وانعقاداته، وبلجنتها التنفيذية ودورها!
لهذا السبب يصح القول أن الإستنكار لا معنى له، ما لم يذهب الجميع فوراً الى ائتلاف وطني ديموقراطي فلسطيني، لمواجهة هذا الخطر الداهم، وحسم الموقف من قيادة عباس وحاشيته.
معلوم أن لقاء عباس بوزير الحرب، جاء في إطار تكييف العلاقة بين حكومة بينيت والإدارة الأمريكية، دون أن أي رجعٍ لصدى سياسة بايدن ورؤيته للتسوية. والجانب الإسرائيلي، في هذا التكييف، يكرّس منطق إدارة ترامب في خيار الحل الإقتصادي الزائف، الذي يمثل غواية بلا مضمون. أما حسين الشيخ، فإنه يؤدي دوره لكي يتحول جهاز التنسيق المدني، الى سلطة حكم ذاتي الى الأبد،  لا تملك شيئاً من السياسة، لكي يبقى الإحتلال جاثماً. وهذا ما عبّر عنه غانتس بصراحة عندما قال للصحفيين بعد الإجتماع: "لا نحن ولا الفلسطينيون نذهب إلى أي مكان صباح الغد"!

ومن بين المؤشرات الخطيرة في تصريحات غانتس قوله:"ناقشنا تشكيل الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الضفة الغربية وغزة، واتفقنا على مواصلة التواصل بشكل أكبر بشأن القضايا التي أثيرت خلال الاجتماع" وكان واضحاً من خلال ما قيل، أن الأوضاع في الضفة، هي السبب الأهم للاجتماع، وأكد غانتس على أن السلطة في الضفة، كلما كانت أقوى، والمستوطنين آمنين، ستكون إسرائيل أقل احتياجاً للتدخل. وبدوره ظن حسين الشيخ أنه يزف البشائر عندما قال إنه جلب حلاً للفلسطينيين الذين عادوا من الخارج الى بيوتهم في الضفة وغزة بتصاريح زيارة، وظلوا بدون بطاقات هوية وبلا جوازات سفر، علماً بأن بقاء هؤلاء المواطنين، محتجزين وغير قادرين على التنقل داخل الضفة، يمثل خيبة بليغة لمن قدموا خدمات أمنية للإحتلال على مر سنوات طويلة، دون أن يطرحوا مثل هذا الموضوع الإنساني، على أي مستوى سياسي في أي اجتماع مع الجهات الدولية أو مع إسرائيل.

وباسلوب من الفهلوة الكاذبة، يتحدث حسين الشيخ عن عمليات جمع شمل، بينما الأمر لا يعدو كونه رفعاً للظلم عن الذين عادوا فعلياً واجتمع شملهم مع عائلاتهم، وظلوا مستهدفين لا تعترف لهم سلطات الإحتلال، بالحق في الإقامة، ولا تسمح لهم بتسجيل المواليد في سجلات النفوس.

ليس أسخف من إدراج موضوع التصاريح، ضمن قائمة منجزات الشيخ وسياسة عباس. فما حصل عليه رئيس فتح مع عضو لجنتها المركزية، هو   تبسيط محاسبة ضريبة القيمة المضافة الرقمية، للتجار الذي يشترون من إسرائيل، بمعنى أن إسرائيل تتمنن على الجانب الفلسطيني بتسهيل البيع. وبهذا نكون أمام رسم كاركاتيري يزدري السياسة والقضية.

الطريف أن بعض الكُتّاب الإسرائيليين، رأى في الإجتماع، محاولة لترتيب الوضع الفلسطيني استعداداً لغياب عباس، ويتوهم المحتلون، أنهم بهذا المسار، يستطيعون تعويم حسين الشيخ كزعيم بشفاعة بشائره التافهة، وهذا رسمٌ كاريكاتيري آخر.