بقلم: عدلي صادق
لا علاقة لتيار الإصلاح في حركة فتح، بأي وسيلة إعلام تؤجج الخصومة على الساحة الفلسطينية. إعتزازنا كبير بجميع الوطنيين بمن فيهم الإسلاميون. حرصنا أكبر على ممارسة حقنا في النقد الموضوعي وتظهير الخطأ عندنا وعند كل من يشتغلون في العمل العام. لا مصلحة لنا في تحويل الخلاف الأيديولوجي الى خلاف سياسي وإلى مشاحنات داخلية. يكفينا ما نواجهه جميعاً من مصاعب، وأي كلام تحريضي يصب في مجرى دفع الناس في هذه الظروف، الى النزاع الأهلي المفتوح أو تعميق التباغض، الذي يفاقم المأزق ويفتك بوحدة الوجدان الشعبي حيال القضية الوطنية.
في النقد الموضوعي، ندعو الى إعادة اللُحمة للكيان السياسي الوطني، على أسس دستورية وقانونية. لا للتفرد من أي طيف، وعلى هذا الصعيد، وباختصار، كفانا جنون!
عملية إعادة الإعمار أصبحت بعيدة، والسبب الأول، هو الإنقسام والتشرذم، اللذان يحرمان اناس من أخذ حقوقها وحقوق أسر الأبرياء الذين أزهقت أرواحهم ظلماً، ومن بينهم عشرات الأطفال. إن كل هذا الهراء في العلاقات الداخلية، هو الذي جعل العدو الطرف الوحيد المستريح!
لا حل عُنفياً أو قهرياً، لأي خلاف داخلي. ومن ينتظر العون من إسرائيل لكي تساعده على التخلص من الطرف الآخر، يقع في الضلال الفادح المعطوف على الغباء المستحكم، لأن دولة الإحتلال تدرك أن مصلحتها تكمن في استمرار المهاترات، وتعرف أن الإنقسام هو الذي يجعلنا نؤدي الدور الذي تريده، وهو تصفية قضيتنا بأيدينا، في سياق من البلاهة وأوهام القوة والمجد الزائف وتضييع البوصلة!
بالمقابل، إن من يظنون أنهم أعجزوا دولة القتل الرقمي والقصف التدميري الشامل، مخطئون. فالمحتلون معنيون بالحفاظ على المعادلة الفلسطينية الداخلية القائمة، ولا يستشعرون خطراً وجودياً على أنفسهم من وجود فصائل المقاومة. إنهم يفاضلون بين خيارين: أن يبقى الإنقسام أو أن تُستعاد اللُحمة الفلسطينية بتغليب الطرف الذي ينسق معهم أمنياً. في هذه المفاضلة، كان الإنقسام هو الذي يناسبهم، لأنه يحول حركة التحرر الفلسطينية الموحدة الى ذكرى في التاريخ، وذكرى في الجغرافيا. وبسبب ذلك، يهنأ المحتلون بالخلاصة النهائية، التي تتحول فيها المقاومة، الى مقاومتين، واحدة مطاردة بالتوافق الأمني مع السلطة، وأخرى معرضة للقصف في كل ساعة. وعندئذٍ، يكون كل خراج غيومنا وأمطارنا لصالحهم، بقطع النظر عن التفصيلات الميدانية كلما وقعت المواجهات.
بناء على ذلك كله، نحن معنيون بتصفير المشكلات الداخلية، على قاعدة القانون ونظرية الدولة، وطي المرحلة التي اعتقد فيها هذا الطرف أو ذاك، أنه بعصبيته السلطوية وبسلاحه؛ صاحب حق في الإكراه، وفي اختطاف جزء من السلطة. إن الحق في هذا كله، للكيان الوطني من خلال التمكين للإرادة الشعبية، التي تمنح التفويض. وهذا التفويض، هو الذي يؤمن للكيان السياسي الرضا الشعبي، الذي ينعكس من خلال صناديق الإقتراع، وما دون ذلك هو الإختطاف!
حركات التحرر التي استندت الى مشروعية المقاومة، كانت موحدة في تجارب الشعوب، وقد اعترف لها القانون بالمشروعية، وحدد صفة هذه المشروعية باعتبارها ظاهرة تاريخية وليست ظاهرة قانونية. أما نحن، فقد أصبحنا اليوم، بلا حركة تحرر موحدة يحق لها أن تزعم لنفسها المشروعية التاريخية. وزاد الطين بِلة، في زمن عباس؛ غياب الشرعية الدستورية التي هي ظاهرة قانونية، فأصبح الشعب الفلسطيني يألم في كل لحظة، بينما كُلٌ من طرفي الخصومة، يتعرض لعملية صياغة. واحد يُراد له أن يصبح ظاهرة أمنية شائنة، وإفراغ الآخر من فحوى وظيفته الأساسية، مقابل تسليك طريق الإعانات، لكي تصل اليه، شرط أن لا تزيد فائدتها عن مجرد السماح له وللمجتمع، بأن يتنفس، عبر أنابيب أوكسجين، إن انقطعت أصيب بالدوخة، واضطر الى الخوض في مهرجان للتضحية، إعلاءً لشان البطولة والنار.
لا موجب لاجترار عناصر الخلاف ومراكمة عناصر اليأس والقنوط. معنيون بالتوافق أمام الخطر المائل أمامنا، ولا يتجاهله سوى الأعمياء والموتورون.
كتب عدلي صادق: بلاهة التغاضي عن المخاطر
تاريخ النشر : 13 اغسطس, 2021 09:45 صباحاً