بقلم/ مي مطر كاتبة فلسطينية
فقدت الحياة في غزة كل مقوماتها ولذيذ عيشها وقيمة الإنسان فيها عندما ضاع الشرف واندثرت المبادئ وماتت الفضيلة، عندما أصبح القتل شجاعة، والرشوة مباحة، والكذب أسلوب حياة، والسرقة رجولة، في زمن أصبح فيه الخداع هو اللغة الرسمية، والخيانة واقعية، ونذالة السياسيين تصرفات طبيعية، والدجل هي الطريقة المثلى لأصحاب العمائم واللحى.رفعت الغيرة وانتهى دور الوطن والوطنية. فكيف لك أن تكون وطنياً في بلد يحكمه اللاوطنيون؟!
ألسنا نعيش اليوم أكثر مراحل تاريخنا بؤساً وتخلفاً وظلاماً وقهراً، بسبب تكالب الخارج والداخل علينا؟!
من نخاطب وبمن نستنجد؟! بجماعة من المفسدين تدعي الفضيلة والصلاح!
ولمن ندعو؟ لمن باع شرف أعدل وأطهر قضية بحفنة دولارات حتى أصبحت دمائنا أرخص من مياه الصرف الصحي؟ وقد سرقونا وباعونا وهجرونا وطحنوا عظامنا وبنوا من حطامها عروشاً على ظهر الشعب المنهك .. نعم لقد نجحتم أيها الفاسدون في قطع ألسنتنا وتمزيق شراييننا واغتصاب احلامنا حد الضياع.الناس في وطني باتوا أسرى هزائمهم في حروبهم اليومية ضد همومهم الحياتية، فالمواطن الغزي محدودب الظهر من أحمال ثقيلة ألقت بها الحكومات المتعاقبة على ظهره بحجة الأزمات الاقتصادية التي هي صنيعهم ولتصب موارد الشعب في جيوبهم وتزيد من ترهلات كروشهم، ومواجهين هذه الأزمات المصطنعة بفرض مزيد من الضرائب ورفع الأسعار على السلع الأساسية، يضربون المواطن أكثر ما يطعمونه، ويتقاسمون معه زاده وزواده وغماسه حتى أفقدوه القدرة على الذهاب بأحلامه لمسافة أبعد من السلع التموينية وحفنة من دقيق الاعانات الذي يعجن بماء الوجه والعوز، وأقصى طموحه هو الحصول على فرصة عمل كريمة تكفل له طعام يومه فقط.
أنا لم أعرف غزة إلا بلا كهرباء وبلا مياه وبلا أدنى مقومات الحياة، أخبارنا تتقلب بين طقس ماطر أغرق بيوت المستورين، أو انتحار شاب في مقتبل العمر، أنا رأيت وهماً صدّقناه أسموه "المصلحة الوطنية العليا" ورأيت شعارات قديمة حديثة وهتافات ساخنة وخطابات حماسية بألوان قاتمة تحمل ببن طياتها هزائم جديدة. أنا رأيت مدارس لا تدرّس، وجامعات لا تجمع، وأسلحةً موجهة لصدور أبناء الوطن الواحد، بل البيت الواحد. والجميع يقف متفرجاً والاعداء تضحك حد الهستيريا. رأيت الإنسان هنا يرخص، ويعلو كل شيء عداه، ويموت فيُنسى أسرع من الموت، رأيت العرّافين يتسلّلون إلى بيوتنا ليحيكوا لنا قدراً أو ربما أحجيةً لوطن ما، لا نملك فيه مداس قدم.
غزة الحبيبة، لقد ذبحوكِ من الوريد إلى الوريد، لقد جففوا ينابيعك بحقدهم وحرقوا حقولك بشرورهم، مصّوا دمك وأكلوا لحمك وشحمك، ولم يبقوا لك إلا الجلد والعظم، باسم الله شوهوك، باسم الحب قتلوك، وباعوا ترابك وهواءك وماءك وكبرياءك، ومع ذلك يصفقون لك وينشدون عاش الوطن، يقتلني كذبهم ويزلزلني دجلهم أولئك الذين جيوبهم مع الوطن وسيوفهم على الوطن، يغنوّن للوطن ويقبضون الثمن، يحرقون الوطن ويقبضون الثمن.
فأين أحرارك يا وطني وأين أبطالك المخلصين؟ بل أين الرجال الذين كنا نعدهم من الرجال؟، كلنا متحالفون عليك يا وطني وكلنا مجرمون حين غرقنا في صمتنا وتركنا وحش الفساد يلتهمك بفظاعة ونهم، كلنا فاسدون بكذبنا ونفاقنا وصمتنا ودجلنا، وكلنا منغمسون بجبننا وتخاذلنا حد النواصي في العار.
وطن مبعثر ومستقبل مجهول
تاريخ النشر : 05 يناير, 2021 03:49 مساءً