أيُّها القارئ الأريب؛ قبل أن تقرأ مقالي؛ اقذف القناعات الّتي وصفها (فردريش نيتشه) بأنّها سجون، فأنا لا أكتبُ إلّا كي نصل جميعًا إلى شاطئ الحقيقة، وهذا الشّاطئ ليس بعيدًا إذا كانت سواعدنا صلدةً تستطيع أن تُجدِّف إليه، ولكنّه ليس قريبًا أيضًا إذا كانت سواعدنا ليّنةً رخوةً.
أيُّها القارئ الوقور؛ كاتب هذا المقال لم يتقاضَ ثمن مقاله، ولا يكتب لأنّه (تحت التصرّف) أو (رهن الإشارة)، وهو يكتب لأنّه يدرك الضرورات الوطنيّة، وأنَّ الوعي الجمعيّ يجب أَنْ يكون متيقّظًا لا تغفو عيناه عن أيّ شاردة أو واردة، وقبل أن نلج إلى المقال؛ حريٌّ بي أن أؤكّد حقيقةً تسترعي التوكيد؛ أنّ كثيرًا قالوا ليّ:"لا تكتب، هذه الشعوب لا يمكن أَنْ تصحو، وهذه بروليتاريا رثّة لا يعنيها سوى ما تحقّقه من منافع، وهي لا تستنكر أن يحكمها فاسد أو طاغيةُ". لكنّني آثرت أن أُنصِت لصوت يطالبني بأن أكتب حتّى لو لم يقرأ ما أكتبه أحد.
تحدّث السّفير الأمريكيّ في الكيان الصّهيونيّ (ديفيد فريدمان) عبر صحيفة إسرائيليّة؛ بأنّ الولايات المُتحدة تُفكِّر أن تستبدل هذا (محمد دحلان) بذاك (محمود عبَّاس)، وهو تصريح لم تنم قيادات السُّلطة الفلسطينيّة بعده، رغم أَنْ عددًا من قيادات السُّلطة وفتح يتحرّقون لأفول الزّمن العبَّاسيّ، وكثيرٌ منهم لم يألوا فرصةً لحياكة تحالفات مع الأوليغارشيا (حكم الأقليّة) الآتية، وهذا ما أكّده ليّ أحد أعضاء اللجنة المركزيّة لحركة فتح في منزله داخل حيٍّ للأغنياء في العاصمة الأردنيّة عمَّان، والذي قالَ ليّ آنذاك:"أنَّ إسرائيل تضخ الحياة في عبَّاس، وأنّ معظم زملائه من اللجنة المركزيّة ينتظرون توقّف هذا الضّخ".
لقدْ أسرفنا في استنكار تصريح السّفير الأمريكيّ، وأهدرنا بيانات من الرفض والإدانة لتصريح لا يُعبِّر عن الحقائق الموضوعيّة، ولا ينطلي على أيّ غرّ في السياسة، وذلك لأنَّ الضرورات الاجتماعيّةِ- الديموغرافيّةِ في الضّفة الغربيّة لا تتناسب مع مضمون تصريحات السّفير أو رغبات رئيسه، وليس لأنّنا كفلسطينيين سنحول دون ذلك، بل لأنّ هُنالك ضرورات لا مناص من استيعابها عند اتخاذ أيّ قرار مصيريّ كهذا.
وباستخدام الكليشيهات السمجة كـ:"الشرعية، الرئيس الشرعي، منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد، وغيرها"؛ تسعى القيادة الفلسطينيّةُ أو يسعى حواريّو رئيس السُّلطة محمود عبَّاس إلى كبح المجريات الواقعيّة لصيرورة الموت السّياسيّ للقضيّة الفلسطينيّة، ويتجاهل هؤلاء؛ أنَّ وصول محمود عبَّاس للرياسة بُعيد عرفات كان ضرورةً إسرائيليّةً، ومن أجل تحقيق هذه الضرورةِ؛ نفّذ الاحتلال الإسرائيلي عمليّة السّور الواقي، ومن أجلها حُوصر الرئيس ياسر عرفات، وتمَّ إجباره على استحداث منصب رئيس الوزراء لاحكام الطوق عليه، ويتحاشى هؤلاء الحديث عن فريق وزارة الخارجيّة الأمريكيّة الذي أدار الحملة الانتخابيّة لعبّاس عندما كان مرشّحًا للانتخابات الرئاسيّة (الصوريّة) عام 2005، وهذا ما أكّده الدبلوماسيّ الأمريكيّ (دينس روس) في كتبه حول المفاوضات الفلسطينيّة—الإسرائيليّة.
لم تأتِ القيادات الفلسطينيّة منذ العشرينيات من القرن الماضي بقرار شعبيّ فلسطينيّ، ولم ينتخب الشعب الفلسطينيّ أيا قائد أو رئيس له، بل كان الفلسطينيّون يحتلفون ويهلّلون دون أن يعرفوا من هذا، ولماذا أصبح قائدًا، ولماذا اغتيل، وكيف، وأسئلة أخرى تحتاج إلى إجابات.
__
ن.م