الثناء والدعاء للبيان الأول
تاريخ النشر : 13 سبتمبر, 2020 03:07 مساءً
د.عدلي صادق

فتح ميديا-غزة:

لم نكن نتوقع، أن يصل العقل الفصائلي الفلسطيني، الى هذه الدرجة من التبسيط، ويتجرأ على استخدام الجمل الوطنية الناصعة، المشحونة بكل معاني العنفوان، لصياغة بيان بهذا القدر من الثقة بالنفس، وكأن المجتمع الفلسطيني مفتوناً بقيادات الفصائل، أو كأن الشعب الفلسطيني هو الذي أخلف كل المواعد النضالية معها، في كل مراحل الفجور الإسرائيلي، وقبل أن يدخل العرب مرحلة التطبيع! 

  حقيقة الأمر، أن أية قوة سياسية، لا تملك إطلاق أي نوع من المقاومة، بمجرد الضغط على الزرار.

 

فهذا إعجاز لم يعرفه تاريخ المقاومات في العالم، ولم تحصل عليه حركات التحرر الرصينة، قبل أن تشتغل عميقاً وطويلاً لكسب ولاء ودعم مجتمعاتها. وبالطبع سيكون إطلاق مقاومة شعبية، بالضغط على زرار، أكثر من مستحيل عندما يتعلق الأمر بغائبين عن حياة وأوقات الناس، يجدون أنفسهم في يوم وليلة، مضطرين الى تدبيج بيان بإسمهم وبإسم شعبهم، يؤكد على انطلاق مقاومة يكونون هم قادتها ورموزها. فمن دواعي السخرية أن هؤلاء يرون انفسهم صالحين لكل الأدوار على تناقضها وعلى توالي الزمن واختلاف المراحل!

 خلال كل التداعيات التي شهدناها، أثناء التوسع الإستيطاني والتعدي على المواطنين الفلسطينيين ونسف البيوت والإعدامات الميدانية وغير ذلك من الفظاعات؛ كانت هناك دعوات فصائلية، لا سيما عباسية تحديداً، لإطلاق مقاومة شعبية ثم التحدث عنها في المحافل العربية والدولية وكأنها حقيقة واقعة. لكن هذه المقاومة لم تنطلق، على الرغم من توافر أسبابها القهرية الكثيرة، التي تمس حياة الفلسطينيين اليومية. وخلال الفترة العباسية، جرت فعاليات معزولة ومحدودة للتظاهر الإحتجاجي، ومُنعت بعضها، وفي بعضها الآخر تجمع بعض الناس في نقاط ملاصقة للجدار العنصري العازل، ولم تشارك الفصائل الكبرى، ولم يكن العدد، يضاهي عدد الساهرين في صف واحد من المقاعد، في حفل غنائي من ليالي "روابي" العامرة. 

  لم يستح المتشدقون بالحديث عن المقاومة الشعبية حتى عندما شارك في الفعاليات المتواضعة، مواطنون أجانب محترمون متعاطفون، وبعض أمثالهم من الإسرائيليين. لذا فإن أقل ما يمكن قوله، هو أن هكذا بيان، يستهبل عقول الناس، وأصحابه يطرحونه بأسلوب فوقي عفا عليه الزمن، منذ أن توفي جمال عبد الناصر والرموز من الزعامات الوطنية الباهرة الزاهدة. والأطرف أن هذا البيان، يُخطيء في صياغة عنوانه. لأن عبارة "البيان الأول" هي علامة فارقة للتحولات التاريخية، إذ يختلف تماماً كل ما يأتي بعد "البيان" عن الذي قبله، في السياقات وفي الوجوة وفي بنية النظام السياسي، وفي آليات العمل ووجهته وثقافته. 

السؤال هنا: هل تملك الفصائل والأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني ـ مثلما نتمنى ـ شرف وصدقية الإدعاء بأنها قادرة على رعاية سيرورة تاريخية حاسمة، مثلما يوحي هذا البيان؟. ومن أية معطيات سياسية داخلية، واجتماعية واقتصادية، ينطلق مثل هذا البيان؟ وهل نحن مضطرون الى تكرار الكلام عن طبيعة المقاومة الشعبية وشروطها؟ 

  لعل من أطرف وأكثر المفارقات، أن عزام الأحمد، كان ـ كالعادة ـ أول المبشرين، وهذه المرة بالمقاومة الشعبية وبالفحوى الواعد في "البيان الأول" كأنما أحد ممن لا يريدوننا أن نقاوم بأي شكل، قد دفع عزام الى التبشير، لضرب الفكرة قبل أن تظهر. كذلك فإن أوائل الداعين الى المقاومة الشعبية في زمن عباس؛ كانوا ولا زالوا يظنون أنها محض نقيض للعمل المسلح، ويمثل الإعلان عنها تعليلاً مقبولاً للتنصل منه. فهؤلاء يريدون من هكذا مقاومة مزعومة، "جمالياتها" فقط، وأهمها الإفلات من تبعات المقاومة المسلحة عليهم، على النقيض مما حدث لياسر عرفات، والحفاظ على أدوارهم، وتجديد أهليتها، بالحديث الدائم عن لا مشروعية السلاح الآخر ووجوب ملاحقته ونزعه، بل وإدانة سكاكين الفتية الغاضبين، حتى وصل الأمر، لإقناع إسرائيل بجدارتهم، من خلال الإدعاء بأن الحقائب المدرسية التي يحملها أبناؤنا الصغار، مشحوة بالسكاكين. فقد كان الذي يهمهم هو إظهار "مآثرهم" في حماية الإحتلال، فلا يترددون في تشويه سمعة المدرسة والأسرة والطفل في بلادهم. بعد ذلك لا شيء يتحدثون عنه، يزيد عن الذي يكتبه جدعون ليفي نائب رئيس تحرير جريدة "هأرتس" عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

  معلوم أن المقاومة الشعبية، في جوهرها، ليست إلا عملية استنهاض اجتماعي بالدرجة الأولى، وهذه عملية تتطلب أولاً نمطاً من الطلائع التي ترقى الى مطارح الإسهام فيها. ففي المقاومة الشعبية، تتحدد الأهلية لمن يقودونها، من خلال ما يراه المجتمع من خلال سلوك كل واحد منهم، وحماسته لأن يكون ممن يشبهون الناس أصلاً في نمط حياتها، ولا يتأخرون عن التواجد في المقدمة، مستعدين لدفع الأكلاف. وبكل صراحة نسأل: هل يستطيع الذين أسهموا في خنق الشعب ورفع معدلات الإنتحار، وفي سد الآفاق وفي حبس اصحاب الرأي المعارضين، وتجويع أسرهم، وإنكار حقوق الناس في الحريات السياسية والمشاركة؛ أن يأخذوا الشعب الى مواجهة تتصاعد حسابياً وطردياً مع تصاعد الفعل الإحتلالي العدواني؟ 

يمكن أن نتغاضى عن حقيقة أن معظم المقاومات الشعبية في التاريخ، كانت رديفاً اجتماعياً للمقاومة المسلحة؛ لكن ما نعلمه ونُصِرُ عليه، من خلال تجربتنا في الضفة الفلسطينية، هو أن معظم أنفار الطبقة السياسية لا يصلحون لشيء، ولا نقول ذلك جزافاً وإنما عن تجربة. ففي انتفاضة الأقصى المريرة، توارت جميع القيادات عن الأنظار وحافظت على بطاقات الشخصيات المهمة التي أصدرها لهم الإحتلال. وحدَهُ مروان البرغوثي، الذي ظهر أمام كاميرات التلفزة يعبر سياسياً عن الإنتفاضة، وبالنتجية وفي قراءة مختزلة، استشهد الزعيم الرمز ياسر عرفات، والقائد الوطني أبو علي مصطفى، ومُنيَ مروان البرغوثي وأحمد سعدات بالسجن المؤبد مُكرراً. وفي غزة، استُشهدت كوكبة من قادة حماس وقاماتها الغر الميامين، وعلى رأسهم مؤسسها الشيخ أحمد ياسين. فمن وماذا تبقى بعدئذٍ، غير هؤلاء الذين أنتجوا مرحلتهم بكل أوصافها؟!

  كل الثناء والدعاء بالتوفيق لأصحاب "البيان الأول". فمن واجبنا إعلان الحداد والإحتجاج على التطبيع مع إسرائيل، وهو يحدث في أسوأ وأقبح مراحل عدوان هذه الدولة الغاشمة، وتطرفها وإنكارها للحق الفلسطيني بل واحتقارها لصيع ومبادرات السلام العربية. ومن واجبنا أيضاً، أن ندعو أصحاب "البيان الأول" الى العمل مع النخب الإجتماعية والثقافية، على إعادة بناء النظام الوطني الفلسطيني، لتكريس الوحدة والعدالة والقانون، لكي يكون الفلسطينيون قادرين على استيعاب مهمة بحجم المقاومة الشعبية.