قمة بيروت وشماعة الإجماع العربي الزائف ....
تاريخ النشر : 17 اغسطس, 2020 12:02 مساءً

فتح ميديا - غزة


عُقدت القمة العربية والتي وُصفت جزافاً بالقمة التاريحية في نهاية مارس 2002   بغياب  إثنى عشر رئيساً عربياً  وحضرها فقط سبعة هم رؤساء اليمن والصومال وجيبوتي وتونس ولبنان وسوريا والمغرب وإنخفض التمثيل فيها ليصبح على مستوى نواب الرؤساء ورؤساء الوزراء في الوقت الذي مُنع فيها الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من المشاركة بعد أن فرضت إسرائيل حصارها حوله في مقر إقامته في رام الله و منعت إدارة القمة أبو عمار من القاء خطابه فيها  بحجج فنية مما أثار غضب الوفد الفلسطيني برئاسة  فارق القدومي الذي أصر على مقاطعة القمة ومغادرة بيروت فوراً لولا تدخل الرئيسين علي عبدالله صالح وبشار الاسد .


طٌرح على جدول أعمال القمة  مبادرة السلام العربية التي قدمها في حينه ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبد العزيز والتي عبرت صراحة عن الموقف العربي تجاه القضية الفلسطينية  وتبنّي خيار السلام الشامل في المنطقة وإستراتيجية التطبيع  مع إسرائيل وتوفير الأمن لها وقبولها دولة لليهود وسط الخارطة السياسية للوطن العربي مقابل إنسحابها من الأراضي العربية وإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران 67 وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينين وضرورة العمل على حث إسرائيل على الألتزام بذلك ، وبالتالي فإن العرب ومن خلال القمة يعلونون موقفهم صراحة  بالتخلي عن فلسطين التاريخية  وإسقاط حق العودة  وأن مسألة الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها ما هو الا مسألة وقت  ليس الا.


 بعد عرض البضاعة العربية في سوق السياسة لم يستطع العرب تسويق بضاعتهم لا إقليمياً ولا دولياً بينما ردت إسرائيل بمبادرة عسكرية إرهابية تمثلت في تجديد الحصار على الزعيم أبو عمار  وتنفيذ ما يعرف  بعملية السور الواقي ليلة 29مارس 2002والتي إستهدفت مخيم جنين الذي تحول الى كومة من الأنقاذ بعد أن هدمته على رؤوس ساكنيه ولتستمر إسرائيل في إجرامها الذي  أدي الى إستشهاد أبو عمار وأحمد ياسين  والرنتيسي والالاف من قيادات المقاومة  الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كما استمر نهج سرقة الاراضي وارتفاع وتيرة الاستيطان في الضفة وتبجح شارون في تصريحاته بعدم وجود شريك فلسطيني للسلام الى أن إنتهى الأمر  بإنقسام فلسطيني  فلسطيني وشرذمة ماحقة لحركة فتح رجعت معها القضية الى الوراء سنوات ضوئية .


إسرائيل التي حققت إنجازا  وحظيت بإعترافاً  عربياً ضمنياً من خلال قمت بيروت مارست ضغوطها لإضعاف العرض السياسي العربي والتنزيل من سقفه وللمضي قدما في تحقيق ذلك إتخذت إسرائيل تكتيكات ثنائية الأبعاد تمثل البعد الأول في  السعى الى إجراء إتصالات سرية  وعلنية  مع دول عربية  مثل البحرين  والامارات والسعودية وقطر وعُمان  والسودان وغيرها  ويقوم بهذا الدور كل من رئيس الوزراء الأسبق إيهود براك ووزيرة الخارجية تسيفي لفني ووزير الدفاع الاسبق موشي بوجي يعلون  إضافة الى جهاز الموساد أسفرت هذه الإتصالات عن ترطيب الأجواء وإقامة علاقات تجاريجة لا يعلمها الجمهور الاسرائيلي  ولا العربي  تمهيدا للتطبيع  المعلق على شماعة مواجهة الخطر الإيراني،


 واما البعد الثاني  يتمثل في إحداث فوضى خلّاقة وإنقلابات على أنظمة الحكم في البلاد العربية  بدعم من الإدارة الأمريكية وزرع جذور التوحش والارهاب( داعش وأخواتها) في  سيناء المصرية وسوريا وليبيا والعراق واليمن  ، وقد نجحت إسرائيل الى حد كبير  بإختراق المنطقة العربية وإغراقها في إنقسامات  ومشكلات داخلية  جعلت من الموقف العربي الرسمي   مرغماً على التطبيع والبحث عن ذاته ومصالحه ومستقبله في ظل السيناريو الأمريكي  الساعي الى تغيير  الخارطة الجيوسياسية في الشرق الاوسط وتوفير  الأمن  لإسرائيل.


بات واضحاً من خلال ذكر ما تقدم  أنه ليس هناك ثمة  صور لأي حالة  إجماع عربي  وإنما هناك حالات (جِماع) مصالح منفردة عربية إسرائيلية وتحولات في إستراتيجة  الكثير   من الدول العربية بما يضمن تموضعها وتنافسها في إيجاد مكانة لها في الشرق الاوسط الجديد وهذا يعني أن مبادرة السلام العربية ولدت ميتة وإستفادت منها إسرائيل سياسياً وإقتصادياً وإستخبارياً ، ولم يكن هذا كله ليحدث لولا غياب الموقف الفلسطيني الرسمي والفصائلي القائم على بناء الموقف إستناداً لردات فعل مأزومة وموتورة غير محسوبة تغيب عنها الاستراتيجية الوطنية  الشاملة وعدم القدرة على إستشراف المستقبل.