بين أجندات ذكريات خُطت بدماء وأعقاب الرصاصات الفارغة نبشنا في مذكرات شيخ المناضلين، الذي انتفض على السجان وعلم أحرار العالم أجمع أن الزنزانة جزء من الوطن لذلك فهي ليست ضيقة .
أبو علي شاهين من قادة الصف الأول في حركة فتح، وأوائل من زرعوا بذور النضال فكانت بداياته من محافظة الخليل حيث تم اعتقاله ضمن مجوعات حركة فتح في الخليل، وكان اعتقاله سبب في سعادة سلطات الاحتلال التي اعتقلت أحد أهم المؤسسين والقيادات في حركة فتح ، ولكن سرعان من انقلب السحر على الساحر فمن قلب زنزانته كان قادر على إدارة الأمور بكل حكمة.
المضرب العنيد
مما سجله التاريخ كبصمة صعب أن تكرر في أدب السجون أو أقاصيص الباستيلات أن أبو على شاهين أول من خطط للتنظيم من داخل المعتقل وأول من أوجد الجلسات التنظيمية داخلها، إلى جانب أنه كان دائم المواجهة مع إدارة السجون الأمر الذي استدعى لنقله بشكل مستمر من معتقل لآخر، فمرت عليه المعتقلات كلها من النقب والسبع وكيتساعوت وشطة وسجن غزة المركزي إلى جانب أنه كان أول معتقل فلسطيني وطأت قدماه سجن نفحة الصحراوي.
كما لُقب بأسطورة السجون فهو أول من أضرب عن الطعام بمشاركة رفاق المقاومة أبو علي بسيسو وعبد الله أبو العطا وغيرهم من القيادات الذين قهروا السجان وصبروا على جوعهم لتحقيق مطالبهم.
قضى أبو علي 15 عاماً في معتقلات الاحتلال 12 عاماً منها في العزل الانفرادي ، وبعد أن تم الإفراج عنه فُرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله ، كان مطلوب من أبو علي في تلك الحقبة البائدة التوقيع يومياً في الإدارة المركزية التابعة للإحتلال وخلال تلك الفترة قام الفدائيين بتفجير حافلة للصهاينة في تل أبيب ، فوجه ضابط الاحتلال المسؤول عن الإدارة المركزية سؤاله لأبو علي أن يستنكر التفجير وبالمقابل تنتهي الإقامة الجبرية ، فرد عليه أبو علي :" إستنكر أنت وجودك في بلادي فلسطين ، وسأستنكر أنا تفجير الحافلة".
لا بد أن نستكمل فصول الحكاية ، فيستمر تتبع الخط الزمني لوطنية رجل عزت فيه الرجولة حيث خلال فترة إقامة أبو علي الجبرية في منزله تمكن من إنشاء حركة الشبيبة الفتحاوية حيث بدأت بـ 12 شاب من نادي خدمات رفح كان قد نظمهم للعمل تحت إمرة أبو علي الشهيد / محمد الغنام " الشنب " ، وتم تنظيمهم على يد أحد كوادر الحركة وبدأ أبو علي بزرع أفكاره وروحه الثورية لتشهد رفح خروج أول مجموعة من حركة الشبيبة الفتحاوية وتنتشر بفكرها في شتى أنحاء الوطن.
لم يكتف المحتل بتقييد التنقل فعمد إلى النفي ، فبعد إنهاء الإقامة الجبرية المفروضة عليه تم نفي أبو علي عام 1983م إلى منطقة الدهينية أقصى الشرق الجنوبي لرفح وكانت تلك المنطقة من المعروف عنها أنها تعج بالعملاء في محاولة من الاحتلال لجعل أبو علي ييأس من ثورته وينهار.
وكالعادة فشل الاحتلال في كسر إرادة أبو علي فما كان منه إلا إصدار قرار إبعاده عام 1985م، حيث انتقل إلى بغداد وعمل جنباً إلى جنب مع النائب القائد محمد دحلان ، فقد كان القائد دحلان يدير العمل التنظيمي من بغداد رغم قلة الإمكانيات المادية وضعفها إلا أنه استمر في العمل ودعم الشباب لتعبئتهم فكرياً ووطنياً..
البندقية المفضوحة لا تحرر أوطان
من ذكريات القائد محمد دحلان التي خبأها في ركن ذاكرته عن شيخ المناضلين حيث كان كلاهما في مطار بغداد يستكمل إجراءات السفر فسألته موظفة المطار عن مهنته فقال لها:" يا ابنتي أنا حميل بارودة ولا أعرف لي مهنة غيرها "، حيث كان نهجه " البندقية التي ترى الشمس بندقية مفضوحة ، والبندقية المفضوحة لا تحرر أوطان "، فأينما وجدت البندقية الشريفة وجد أبو علي رحمه الله ..
يذكر أن مدير مصلحة سجون الاحتلال الإسرائيلية قد أعد تقريراً في عام 1982م، تم تقديمه إلى المستويين الأمني والسياسي الإسرائيليين، وذلك قبيل الإفراج عن أبو على شاهين بفترة وجيزة، وجاءت الفقرة التالية في سياق التقرير: "في فترة وجوده في السجن، تمكن عبد العزيز شاهين من أن يبلور لنفسه مكاناً ونفوذاً كبيرين، كأحد قادة "فتح" و"الفدائيين" عامة؛ وعلى امتداد فترة سجنه وبالذات في السنوات الست الأخيرة، برز نفوذ وتأثير أبو علي شاهين على السجناء الفلسطينيين، فإيعازاته وتوجيهاته تحتل مكانة هامة في حياة السجناء، الذين يستشيرونه ويقدمون له التقارير عن كل ما يجري، ويكنون له احتراماً كبيراً".
إلى جانب أن محاميته فيليتسيا لانغر _ محامية إسرائيلية يسارية تدعم الأسرى الفلسطينيين_ قد ذكرت في كتابها "هؤلاء إخواني" صمود أبو علي شاهين وعنفوانه وتحديه للاحتلال الإسرائيلي على الرغم من اعتقاله وتعرضه للتعذيب والقمع .
لم تقدر الحدود ولا المعتقلات ولا النفي والإبعاد أن تمنع أبو علي أن يصل لقلوب الثوار وأن يضع بصمته التي تساوي في علمها وفكرها أجيالاً.