أبو جهاد في بعض ما ينبغي قوله
تاريخ النشر : 16 ابريل, 2020 01:39 مساءً

فتح ميديا - غزة -

على قدر ما قيل وكُتب، عن أمير الشهداء، القائد المؤسس خليل الوزير (أبو جهاد) فإن الرجل قد ارتقى، وأخذ معه من الأسرار أضعاف ما يعرفه المقربون منه. فمنذ الإنطلاقة العسكرية الثانية لحركة فتح، لم يكن اثنان، في الأقطار التي لا تزال رازحة تحت نير الإستعمار، يفكران في حركة تحرر أو ثورة؛ إلا كان أبو عمار أو أبو جهاد، ثالثهما!
  أبو جهاد هو صاحب فكرة المقاومة، قبل أن تنطلق الثورة الفلسطينية المعاصرة بنحو عشر سنوات، وظل طوال السنوات التي عاشها، رجلاً متواضعاً زاهداً يحاول قدر المستطاع الإبتعاد عن الأضواء، ولم يكن يطمح الى زعامة سياسية، لم يحن أوانها. هو صاحب دور ريادي مقاوم، ارتفع به الى ذُرى الزعامة التاريخية. 

تجربتي المتواضعة مع القائد خليل الوزير، بقدر ما كانت كافية، في بداياتها،  لكي أتعرف على مناقبه الشخصية،  فقد كانت بلا حيثيات، على صعيد معرفة الشاب الصغير الذي كنته، برؤيته الإستراتيجية أو بنتف من أسراره وتفصيلات دوره. فهذه لم أتعرف على القليل منها،  لا سيما في تلك الأيام. لكنني في الحقيقة، كنت دون العشرين، عندما عملت للمرة الأولى تحت إمرته، في أول مكتب لقيادة الداخل الفلسطيني، في مدينة السلط، وكان يأتي على الأقل في الأسبوع ثلاث مرات، وفي إحدها يقرر المبيت معنا، وبعد الإفطار يغادرنا وحده.

كان المكتب ـ كما قدرت آنذاك ـ في موضع جيد أمنياً. الطريق الوحيد اليه يرتقي نحو ثلاثين درجه الى أعلى، فتتبدى في الأسفل، تحتنا مباشرة، كنيسة للإخوة المسيجيين في المدينة. كنا ستة، دائمي التواجد هناك، ومن عندنا تنطلق عمليات العمق الى الضفة. وفي الليل نتناوب على حراسة انفسنا، إثنان اثنان. وعندما يبيت أبو جهاد، نصبح ثلاثة برغبتنا. في العشاء التواضع وفي الإفطار، نتشارك طعامتا جميعاً، وكان الرجل يحادثنا كإخوة له في الشؤون العامة وفي بعض تطورات الأوضاع. بدا عالي التهذيب، دمثاً يتحلى بالذوق الرفيع، ويحثنا على الاستزادة من المعرفة والحرص على قلة الكلام!

يوم أن اكتمل بناء مركز طبي للحركة، عند مدخل السلط. قال لنا إنه رتب دورة دورة تدريبية، في قبو المركز الصحي الذي كنا نسميه المستوصف، فمن يريد منا أن يلتحق فليذهب الى هناك ويسجل اسمه. كانت الدورة مخصصة لتقنية الإتصالات بنظام النبضات الصوتية (الموريس) المستخدمة قديما في التلغراف. هناك، تعرفت للمرة الأولى على شقيقه المناضل والسفير بعدئذٍ،  زهير. كان أبو جهاد يمر علينا بين الحين والآخر، بسيارة فلوكس فاجن "خنفساء" بسيطة، يقودها بنفسه. وكان هو الذي اختار موقع المستوصف، في أدنى سفح جبل عالٍ، تموضعت فيه مجموعة من شبابنا والجنود العراقيين، مع رشاش دوشكا لزوم الدفاع الجوي. فقد جاءنا أيامها، عدد من هذا السلاح، للمرة الأولى من العراق، مع أطقمه لتدريب شبابنا. كنا نزهو بالدوشكا وكأنها إس 400 الروسية اليوم، ونسمي الموقع الذي فوق المستوصف، الدوشكا السادسة. 

كان أبو جهاد يمر على الطريق المنحدر الى مدينة السلطة، ويتوقف عندنا قليلاً ثم يواصل طريقه، بعد أن يتحادث مع مدربنا المصري المبتعث من جهاز المخابرات. بعدئذٍ افتتح أبو جهاد لنا قاعدة، في محيط بلدة "أم العَمد" شمال شرق السلطة، وظل يزورنا هناك بمعدل مرة كل أسبوع مرة، وفي كل مرة كنت أتحادث معه. 

بعد خروجي من الأسر، تكررت زياراتي له في مكتبه. كان قطاع الأرض المحتلة، قد كبر وتحول الى لجان، وكنت في لجنة غزة، مع نخبة من الزملاء، ويقودنا المرحومان المناضلان القائدان، صبحي أبو كرش (أبو منذر) وناهض الريس (أبو منير) رحمهما الله، وبكل تواضع كان الرجلان صديقان حميمان لي، وأيضاً كانا أخوان عزيزان، عند أبي جهاد، كسائر قادة لجان المناطق. 

في إحدى ليالي مبيته معنا، وكنا نُخفي اسماءنا الحقيقية، همست له بأن والدتي قريبة الحاجة سميحة، أرملة المرحوم عمه خميس الوزير، الذي قضى في الحمام التركي القديم الذي تمتلكه العائلة. وقد ظلت المرحومة الحاجة سميحة طوال عمرها وفية لزوجها الراحل. ليلتها روى لي قصة الحادث المؤسف الذي أودى بحياة المرحوم خميس وترحم على العم وأثنى على السيدة حرمه. وطوال فترة خدمتي في القطاع العسكري التابع له مباشرة، كانت علاقتي به تتسم بالود الجميل رغم التباعد الزمني في اللقاءات. وفي فترة إقامتي القصيرة في لبنان، كنت أزوره، وأكثر ما أثلج صدري حديثه للشهيد رفيق السالمي وأنا، قبل أن يذهب الشهيد رفيق في رحلته الأخيرة الى الأرض المحتلة. كان يحاد رفيق السالمي، الشاب اليافع، كمن يحادث صاحبه المرحوم حمد العايدي، زميله في العمل العسكري الأول في أوائل الخمسينيات قبل تأسيس فتح. وفي جلسة أخرى معه، وكنت اصطحب المرحوم علي حلس القادم من سجون الأرض المحتلة. قدمت له علي، لكي يتحدث عن السجون، ويبدو أنه كان متأثراً بتقارير عن ظاهرة التحقيقات التي يجريها أسرى، مع البعض القليل المشتبه به، فقال لعلي حلس:"ولكن عندكم شطط أمني في السجون" ولما تضاحكنا، جاءه اتصال هاتفي من الشهيد أبو إياد، فأغلق السماعة وانقطع عن الحديث الذي كنا فيه، ثم أبلغنا عن إطلاق النار، في العرض العسكري، على الرئيس السادات في القاهرة، فغادرنا لكي نتابع، لأن الخبر لم يكن قد اكتمل بعد! 

سمعت مرة من المرحوم جمال القدوة (أبو رؤوف) شقيق الزعيم ياسر عرفات، وصفاً لا أنساه،  قال فيه: أبو جهاد متصوف ثوري، وكالقديسين، منقطع الى ما هو فيه. تذكرت هذه العبارة، عندما اتصلت ذات صباح بأبي جهاد، من دبي، وهو في تونس، قبل وقت قصير من استشهاده، لكي أنقل له شكوى سمعتها مساء اليوم السابق، من أحد الكوادر من عائلة أبو ستة، أثناء زيارته لأبو ظبي. وما أن نطقت باسم زميلنا ذاك، حتى ترحم عليه، فقلت له أنت تتحدث عن شخص آخر، فسألني أين أنت؟ قلت له: في دبي. فأجابني بسرعة اذهب الى أبو ظبي، فصاحبك توفاه الله قبل ساعة "فقد صدمته سيارة وهو خارج من سفارتنا". فأبو جهاد، المتصوف الثوري، كل قائماً على كل الخطوط على مدار الساعة. كان، وهو بعيد، يعيش في قلب الجغرافيا الفلسطينية وفي قلب فلسطين الشتات. ففي انتفاضة 78 قطع العدو المسافات، لكي ينال من حياة رجل الجغرافياً الفلسطينية الذي كان لصيقاً بالأرض والأحداث، وهو بعيد، كأنما هو في جنين وغزة ونابلس وخان يونس وسائر الأراضي المحتلة.

لروحه الدعاء المتجدد، بالمغفرة والرضوان، ولهذه الروح النبيلة، شهادة حق، من مئات الأولوف التي شيعته في دمشق، والألوف التي عملت معه، والملايين التي أحبته.

______________

م.ر