"ثوب الفرح".. ثلاثة أعراس تعيد الأمل إلى شباب غزة وسط الحرب

04 نوفمبر, 2026 06:40 مساءً

فتح ميديا _ غزة_ نسرين موسى:

في قطاع غزة، حيث أثقلت الحرب كاهل الأسر بالنزوح والدمار وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد الزواج بالنسبة لكثير من الشباب مجرد مناسبة اجتماعية، بل حلمًا مؤجلًا تصطدم به أعباء اقتصادية متزايدة.

وسط هذا الواقع، جاءت مبادرة الأعراس الجماعية «ثوب الفرح» ضمن عملية «الفارس الشهم 3»، لتمنح مئات الشباب فرصة لإتمام زواجهم، وتعيد إلى المشهد الغزي واحدة من أكثر لحظات الحياة ارتباطًا بالأمل والفرح.

بدأت المبادرة في ديسمبر/كانون الأول 2025، ثم توسعت في أبريل/نيسان 2026، وصولًا إلى نسختها الثالثة التي تستهدف 250 عريسًا، في محاولة لتخفيف جزء من الأعباء التي تواجه الشباب المقبلين على تأسيس أسرهم.

يصف د. عزام شعت الناطق الرسمي باسم لجنة إسناد عملية الفارس الشهم (3)، في حديث خاص لفتح ميديا، تجربة الأعراس الجماعية بأنها «ناجحة بكل المقاييس»، موضحًا أن النسختين الأولى والثانية نُفذتا في ديسمبر/كانون الأول 2025 وأبريل/نيسان 2026، في ظل ظروف اقتصادية واجتماعية شديدة الصعوبة فرضتها الحرب.

ويقول شعت إن المبادرة جاءت في إطار الالتزام الإنساني والأخلاقي لدولة الإمارات تجاه شباب غزة، مشيرًا إلى أن الإقبال الكبير عليها عكس حجم الحاجة لدى هذه الفئة.

ويؤكد أن إجراءات التسجيل والاختيار أُديرت من خلال لجنة مهنية محايدة، بهدف ضمان النزاهة والشفافية منذ استقبال الطلبات وحتى تنظيم الحفل، وهو ما أسهم، بحسب رأيه، في تعزيز ثقة المواطنين بالمبادرة.

لكن شعت يرى أن «ثوب الفرح» لا يمكن فصله عن سياق أوسع من المبادرات الموجهة إلى الشباب.

ويقول إن العمل، وفي حدود توجيهات دولة الإمارات، يستهدف قطاعات مجتمعية أوسع في غزة، وفي مقدمتها فئة الشباب، من خلال مبادرات متخصصة لا تتوقف عند الدعم الإغاثي.

ويوضح أن هذه المبادرات شملت مؤخرًا دعم ورعاية طلبة الثانوية العامة، وتكريم الشباب المبدعين والمتميزين الحاصلين على جوائز دولية، إلى جانب مشروع الفرح الجماعي الذي وصل إلى مرحلة تسجيل الشباب المقبلين على الزواج، على أن يُختتم بتنظيم العرس الجماعي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل.

ويشير إلى أن التركيز على الشباب يأتي باعتبارهم إحدى الفئات الأكثر تأثرًا بتداعيات الحرب، مؤكدًا أن مساندتهم لا تقتصر على توفير الاحتياجات الإغاثية، وإنما تمتد إلى مبادرات تمس جوانب مختلفة من حياتهم ومستقبلهم.

ولم تقتصر الاستفادة، بحسب شعت، على من حالفهم الحظ في القرعة خلال النسختين السابقتين، إذ جرى تقديم مساعدات لمن لم يتم اختيارهم، شملت مواد إغاثية وصحية واحتياجات للإيواء ومواد منزلية.

أبو زيد: الفرح حاجة إنسانية وليس ترفًا

من جانبه، يرى د. إيهاب أبو زيد نائب رئيس إسناد عملية الفارس الشهم 3 أن تجربة «ثوب الفرح» تجاوزت فكرة إقامة حفل جماعي، لتتحول إلى مساحة إنسانية أعادت للشباب جزءًا من الفرح الذي حرموا منه خلال سنوات الحرب.

ويقول إن المبادرة خففت عن العرسان وعائلاتهم أعباء مالية كبيرة مرتبطة بالزواج، لكنها في الوقت نفسه حملت أثرًا نفسيًا مهمًا، يتمثل في منح الشباب شعورًا بالأمل والقدرة على مواصلة حياتهم وتأسيس أسرهم رغم الظروف الاستثنائية.

ويضيف أن تمسك الشباب بالزواج وتكوين الأسرة يعكس رغبة في استعادة الحياة الطبيعية، حتى في بيئة أنهكتها الحرب والنزوح وفقدان مصادر الدخل.

غير أن أبو زيد يؤكد أن احتياجات الأسرة الجديدة لا تبدأ وتنتهي بليلة الزفاف.

فالشاب، بحسب رأيه، يحتاج إلى مسكن مناسب، وأثاث وملابس ومستلزمات أساسية، إضافة إلى فرصة عمل ومصدر دخل مستقر، وهي احتياجات أصبحت أكثر صعوبة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الإمكانات الاقتصادية.

ومن هنا، يرى أن الأعراس الجماعية والمشاريع التنموية لا ينبغي وضعها في مواجهة بعضها بعضًا، لأن تخفيف تكلفة الزواج يمكن أن يساعد الأسرة الجديدة على بدء حياتها بضغط أقل، بينما تظل برامج العمل والتمكين الاقتصادي ضرورية لضمان استقرارها لاحقًا.

ويؤكد أن الحرب خلقت احتياجات متعددة، ما يستدعي العمل على مسارات متوازية تشمل الإغاثة والدعم النفسي والاجتماعي والتمكين الاقتصادي، بدل حصر المساعدة في جانب واحد.

ويأمل أبو زيد أن تتطور المبادرة مستقبلًا لتشمل برامج أكثر ارتباطًا بما بعد الزواج، مثل دعم تجهيز المنازل، والتدريب والتأهيل المهني، وفرص العمل والمشاريع الصغيرة، بما يحول الفرح من مناسبة مؤقتة إلى نقطة انطلاق نحو حياة أكثر استقرارًا.

وبشأن المسجلين في النسخة الثالثة، يقول إن وراء كل طلب قصة وحلمًا ورغبة في بناء أسرة، مؤكدًا أن عملية الاختيار يجب أن تستند إلى معايير واضحة وعادلة تضمن وصول الدعم إلى الأكثر احتياجًا واستحقاقًا.

 عطاف الحمران: المشكلة لا تنتهي عند تكلفة الفرح

وترى عطاف الحمران  مسئولة لجنة المبادرات  أن الجدل حول أولوية توجيه الأموال إلى المشاريع التنموية مفهوم، لكنها تشير إلى أن مبادرة «ثوب الفرح» تستهدف احتياجًا محددًا لدى فئة محددة.

وتوضح أن المستفيدين ليسوا مجرد شباب يفكرون في الزواج، وإنما ممن أتموا عقد قرانهم وأصبحوا على استعداد للانتقال إلى الحياة الزوجية، لكن تكاليف إقامة مراسم الزفاف باتت عائقًا أمامهم.

وتقول إن المبادرة لا تتعامل مع حفل الزفاف باعتباره المشكلة الوحيدة، بل تحاول إزالة عقبة محددة من طريق الشباب المقبلين على تأسيس أسرهم.

وترى الحمران أن إقامة العرس الجماعي وسط الحرب والدمار تحمل قيمة تتجاوز الجانب الاحتفالي، لأنها تمنح الشباب وأسرهم مساحة لاستعادة مظاهر الحياة الطبيعية، وتؤكد أن المجتمع ما زال متمسكًا بالحياة رغم ما تعرض له.

لكنها تشدد في الوقت نفسه على أن الفرح يجب ألا يكون نهاية الدعم.

فبعد انتهاء الحفل تبدأ مسؤوليات الأسرة الجديدة من السكن، والعمل، والدخل، وتأمين الاحتياجات الأساسية.

ومن هنا، تدعو إلى تطوير المبادرة وربطها مستقبلًا ببرامج للتمكين الاقتصادي والتدريب المهني وفرص العمل والمشاريع الصغيرة، بحيث يصبح «ثوب الفرح» مدخلًا إلى مرحلة أكثر شمولًا من دعم الشباب.

وتختصر الحمران الفكرة في أن يتحول الفرح من «لحظة عابرة إلى بداية حقيقية لحياة جديدة».

كانت البداية مع «ثوب الفرح» الأول، الذي أقيم في مدينة حمد بخان يونس في ديسمبر/كانون الأول 2025، بمشاركة 54 عريسًا وعروسًا

وجاء اختيار العدد متزامنًا مع الذكرى الرابعة والخمسين لعيد الاتحاد لدولة الإمارات العربية المتحدة، في إطار الدعم الإماراتي لقطاع غزة.

ورغم ظروف الحرب، حمل الحفل أجواءً من الفرح، وشكل بالنسبة للمشاركين لحظة استثنائية في واقع غلبت عليه مشاهد النزوح والدمار.

وفي أبريل/نيسان 2026، توسعت المبادرة في نسختها الثانية «ثوب الفرح 2»، التي أقيمت في دير البلح بمشاركة 300 عريس وعروس.

وشهدت الفعالية حضورًا جماهيريًا واسعًا، وتخللتها الدبكة والزفة والفقرات الفنية، في محاولة لاستعادة بعض مظاهر الحياة الاجتماعية التي غابت عن القطاع بفعل الحرب.

وضمت قائمة المستفيدين أشخاصًا من ذوي الإعاقة ومصابين جراء الحرب، فيما ساهم تقديم مساعدات للمتقدمين الذين لم يتم اختيارهم في توسيع دائرة الاستفادة من المبادرة.

أما النسخة الثالثة «ثوب الفرح 3»، فتستهدف 250 عريسًا من أبناء قطاع غزة، بمساهمة من مؤسسة صقر بن محمد القاسمي للأعمال الخيرية.

ووفق شروط التسجيل المعلنة، يستهدف المشروع شبابًا من قطاع غزة ممن لم يسبق لهم الزواج، على ألا يقل عمر الخاطب عن 30 عامًا، وأن يكون عقد القران قد أُبرم قبل 15 أغسطس/آب 2026.

كما يشترط ألا يكون المتقدم موظفًا ويتقاضى راتبًا ثابتًا، وأن يكون مؤهلًا ولائقًا للزواج، وألا يكون قد بدأ الحياة الزوجية فعليًا قبل موعد الحفل الختامي المتوقع في بداية نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وباحتساب المستفيدين المعلنين في النسخ الثلاث، سيصل العدد إلى 604 عرسان وعرائس في حال اكتمال النسخة الثالثة بالمستهدف المعلن.

في غزة، لا تنتهي أزمة الشاب بمجرد تأمين حفل الزفاف. فخلف كل عريس وعروس تبدأ أسرة جديدة تحتاج إلى بيت، ودخل، وعمل، وأمان، وقدرة على مواجهة تكاليف الحياة.

لهذا، تبدو الأعراس الجماعية أكثر من مجرد مناسبة احتفالية؛ فهي من جهة تخفف عبئًا ماليًا عن أسر أنهكتها الحرب، ومن جهة أخرى تمنح الشباب مساحة لاستعادة الفرح والتمسك بفكرة المستقبل.

لكن استمرار هذا الأثر يتطلب أن تترافق مبادرات الفرح مع برامج أوسع للتعافي والتمكين الاقتصادي، حتى لا تنتهي المساعدة بانتهاء ليلة الزفاف.

وبين الركام والنزوح والأزمات الاقتصادية، يحاول شباب غزة أن يحتفظوا بحقهم في الحياة، وفي الحب والزواج وتأسيس الأسر.

وربما هنا تكمن الحكاية الأوسع لـ«ثوب الفرح»: ليست قصة ثلاثة أعراس فحسب، بل قصة جيل يحاول أن يبدأ حياته من جديد، رغم أن الحرب ما زالت تحاصره من كل الجهات.

اقرأ المزيد